Tem copy

المندوب السامي في الأمم المتحدة

بقلم/ أيمن عقيل

تذكرني الإنذارات التي توجهها الإدارة الأمريكية للأمم المتحدة بالتحذيرات والتهديدات التي كان يوجهها قديمًا المندوب السامي البريطاني للدول والشعوب الواقعة تحت الاستعمار، فالإدارة الأمريكية تستيقظ كل يوم لتفرض مزيدًا من الشروط لدفع المستحقات المتأخرة عليها في الميزانية العادية للأمم المتحدة وفي ميزانية بعثات حفظ السلام. وكأن كل شيء ينبغي أن يسير على هوى الإدارة الأمريكية ورغبتها. ومثلما كان المندوب السامي قديمًا يتدخل في الشؤون الداخلية، أصبحت الإدارة الأمريكية، بتوجيهات دونالد ترامب، تستلذ بالتدخل في شؤون الأمم المتحدة وتملي عليها الشروط حتى تنعم عليها بالمدفوعات المتأخرة وحتى تنقذ ها من عثرتها المالية

الغريب أن رد الصين لم يكن مندفعًا وجاء متوازنًا، فعندما سُئل مندوب الصين الدائم لدى الأمم المتحدة عن هذه الضغوط الأمريكية، قال إن الصين أصبحت فعليًا المساهم الأول في الميزانية العادية للأمم المتحدة، وإنها لا تسعى إلى أن تحل محل الولايات المتحدةوهذه ليست مواجهة صفرية بين الصين والولايات المتحدة. نحن نريد أن نساهم أكثر في الأمم المتحدة، ونريد من الولايات المتحدة أن تساهم أكثر.

الأمر اللافت للنظر هو أن رد الصين لم يكن متسرعاً، بل كان متوازناً. فعندما سُئل المندوب الدائم للصين لدى الأمم المتحدة عن هذه الضغوط الأمريكية، قال إن الصين أصبحت فعلياً أكبر مساهم في الميزانية الاعتيادية للأمم المتحدة، وأنها لا تسعى إلى الحلول محل الولايات المتحدة. وأضاف: "هذه ليست مواجهة محصلتها صفر بين الصين والولايات المتحدة. نريد أن نساهم بشكل أكبر في الأمم المتحدة، ونريد من الولايات المتحدة أن تساهم بشكل أكبر أيضاً".

لكن هل بالفعل تريد الولايات المتحدة الابتعاد عن المنظمة الدولية، أعتقد الإجابة لا، فإدارة ترامب تجيد سياسة التلويح بالعصا تارة وبالحلوى تارة أخرى في التعامل مع الأمم المتحدة، وعلى ما يبدو تطبق سياسة هنري كيسنجر "الخطوة بخطوة" في التعامل مع الأمم المتحدة ، فاتهمها في بداية تولي ترامب ولايته الثانية بأنها عديمة الفائدة، وبعد ذلك انسحبت من مجلس حقوق الإنسان، وهيئات وكيانات إضافية تابعة للأمم المتحدة وصلت إلى نحو 31 كيانًا تابعًا للأمم المتحدة بموجب المذكرة الرئاسية الصادرة عن الرئيس ترامب في 7 فبراير 2026، إلى الحد الذي بدأت فيه بعض الآراء تتعالى لتقول بأن الولايات المتحدة تريد انهيار الأمم المتحدة واستبدالها، لكن اعتقد من وجهه نظري ان هذا غير صحيح

أعتقد أن إدارة ترامب تريد السيطرة على الأمم المتحدة، وتشكيلها وفقًا لرؤيتها لا هدمها، والاستفادة منها قدر الإمكان وخاصة من عقود المشتريات والامتيازات التي تمنحها الأمم المتحدة لبعض الشركات والموردين في الدول الأعضاء، فمؤخرًا أظهرت الولايات المتحدة ميلًا إيجابيًا نحو الأمم المتحدة ، حيث دفعت 160 مليون دولار من إجمالي ديونها المستحقة للمنظمة والتي تقترب من 4 مليارات دولار، من بينها 1.8 مليار للميزانية المنفصلة المخصصة لعمليات حفظ السلام، فيما تعهد ترامب بتقديم المزيد من الدعم المالي للمنظمة التي تعاني من أزمة سيولة عاصفة.

وأعلن ترامب ذلك بوضوح في الاجتماع الافتتاحي الأول لمجلس السلام الذي عقد في واشنطن في 19 فبراير 2026. حتى إن السفير مايك والتز، ممثل الولايات المتحدة الأمريكية لدى الأمم المتحدة، رفع قبعة في مؤتمر ميونخ للأمن مُدونًا عليها "لنجعل الأمم المتحدة عظيمة مرة أخرى"،

أخيرا سيتولى دبلوماسي جديد منصب الأمين العام للأمم المتحدة، في بداية عام 2027 وإذا لم يلبِّ الشروط الأمريكية السابق ذكرها، سيكون عرضة هو الآخر للانتقادات على الأقل حتى نهاية 2028، وهو موعد الانتخابات الرئاسية الأمريكية التي يعول عليها كثيرون في تدارك ما فعلته الإدارة الأمريكية في الأمم المتحدة.

تم إغلاق التعليقات.