ما بين يناير 2011 ويناير 2016

Ayman-Okeil-GM-of-Maat-for-Peace-Development-and-Human-Rights

قبل أيام قليلة من الذكرى الخامسة لثورة المصريين في 25 يناير 2011، وبالتزامن مع دعوات “متقطعة” من قوى محسوبة على المعسكر المناهض للنظام الحالي لثورة جديدة، تصبح المقارنة بين دوافع ومقدمات الثورة الأم من جهة والدعوات الحالية الخارجة على السياق من جهة ثانية أمرًا ضروريًا ولازمًا.

والضرورة هنا ليس “سببها” المصادرة على حق أي فصيل في الدعوة للتظاهر السلمي، بل الغضب من النظام –أي نظام- والدعوة لرحيله بالطرق السلمية والقانونية المشروعة، ولكن سببها هو ذلك الخلط المتعمد والمشوه بل المزيف بين أهداف وغايات فصيل أو فصائل أو تيارات أو حركات أو تجمعات محددة منخرطة في تلك الدعوة، وأهداف وغايات السواد الأعظم من الشعب المصري، الذي يملك وحده حق منح الشرعية أو حجبها، وسوابقه في 25 يناير 2011، ثم 30 يونيو 2013 شاهد على ذلك.

إن مقدمات ثورة 25 يناير 2011 كانت مختلفة بشكل جذري عن اللحظة الراهنة التي تعيشها مصر، فقبل الثورة مباشرة كانت مسارات التغيير السياسي من خلال الانتخابات شبه مستحيلة، بسبب ممارسات التزوير المنهجي التي شهدتها كل الانتخابات في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، وقد كانت انتخابات البرلمان في نهاية 2010 بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، بعدما مارس قادة الحزب الوطني وبعض أجهزة الدولة المتواطئة معهم التزوير وتزييف إرادة الناخبين على نطاق واسع، وأقصوا الأصوات المعارضة تمامًا عن المشهد السياسي، فيما بدا وكأنه تمهيد لتوريث السلطة لنجل الرئيس الأسبق من خلال برلمان معظم أعضائه موالٍ لم يأتوا بأصوات الناخبين، بل بتدخلات غير مشروعة للسلطة الحاكمة آنذاك.

من ناحية أخرى كان الفساد بجد منتشرًا ولا توجد إرادة سياسية حقيقية لمكافحته ولا حتى آليات لمواجهته.

أضف إلى ذلك مساوئ وعيوب دستور 1971 الذي كان حاكمًا آنذاك، والذي كان مقيدًا الحقوق والحريات العامة، وكان يجعل السلطة التنفيذية متغولة على سلطتي التشريع والقضاء، فضلا عن حالة الطوارئ التي فرضها نظام مبارك طوال فترة حكمه، وأغلق من خلالها المجال العام وصادر العمل المجتمعي ووضع الآلاف في المعتقلات دون محاكمة عادلة ودون أي اعتبار لقرارات جهاز النيابة العامة والأجهزة القضائية المعنية.

أما مساحة العمل الحزبي فقد كانت مغلقة بالضبة والمفتاح أمام أي تنظيم سياسي جاد، حيث حرم الملايين من حقهم في تكوين الأحزاب والانضمام إليها، ووضعت مسئولية إشهار الأحزاب وحلها في يد لجنة يديرها قادة الحزب الوطني، وبالتالي فقد منعوا وصول أي تنظيم حزبي جاد لمقاعد المنافسين، وحجبوا الشرعية عن أي مجموعة حاولت تكوين حزب رافض دور الكومبارس في المسرحية السياسية التي لعبها مبارك ونظامه على مدى 30 عامًا.

فهل من العدل والإنصاف مقارنة هذه المقدمات التي ما كان المصريون ليتخلصوا منها بغير الثورة، بحقائق المشهد الحالي المختلف جذريًا عما كان ؟

فالواقع الحالي يشهد بأن التغيير من خلال الانتخابات أصبح أمرا متاحا، وحتى مع وجود سلبيات طفيفة في العملية الانتخابية، فإنها أبدا لم تنتج عن تدخلات سلبية للسلطة، والدولة أثبتت حيادها التام والمطلق خلال ثلاثة استفتاءات دستورية، ومرتين لانتخاب رئيس الجمهورية ومرتين لانتخابات البرلمان، وبالتالي فالتغيير من خلال الصندوق أصبح مرهونًا بإرادة الناس وليس إرادة الحاكم.

كما أن محاربة الفساد أصبح لها مكانتها في الخطاب السياسي الرسمي للرئيس وحكومته، والأحداث التي شهدناها خلال العام ونصف العام الماضى خير دليل على ذلك، فالأجهزة الرقابية تتحدث عن وقائع الفساد بلا سقف ولا قيود، ولأول مرة في التاريخ المصري الحديث يتم تقديم وزير للمحاكمة بتهمة الفساد، وهناك استراتيجية وطنية معلنة لمكافحة الفساد، وبالتالي فالإرادة متوفرة لمحاربته حتى لو كانت وقائع الفساد ما زالت باقية وبارزة.

والدستور الذي نعيش في إطاره حاليًا يصون الحقوق والحريات، ويعبر بشكل واضح عن تطلعات وآمال وأحلام المصريين، وحالة الطوارئ والقوانين الاستثنائية ولت بلا رجعة، ولم تلجأ إليها السلطة رغم ما تواجهه من إرهاب منظم وغير تقليدي.

وأما تكوين الأحزاب فقد أصبح بالإخطار، ولدينا على الساحة حاليا ما يزيد على 100 حزب سياسي منها 44 شاركت في آخر انتخابات برلمانية، ومعظمها يعمل بحرية مطلقة في الشارع دون أي قيود.

في ضوء هذه المقارنة العادلة والموضوعية تفتقد الدعوة ثورة جديدة مبرراتها المنطقية، وتصبح جزءًا من عملية فوضى يريدها أصحاب الدعوة شاملة وعامة، لكن دعاة الفوضى تناسوا أن الشارع أكثر إدراكًا وذكاءً منهم، ورده على دعوتهم في 25 يناير 2016 سيكون خير دليل على ذلك.

Reading through Egyptian parliamentary elections

The first phase of the Egyptian parliamentary elections ended but its implications and repercussions are not over yet. The societal debate about its positives and negatives will remain in place for weeks to come at least. The most important thing is that this debate is free of traditional accusations that characterised the elections prior the 25 January Revolution in 2011.

The state’s biases and its interventions and the facts of fraud and systematic manipulation are no longer the subject of criticism, especially since the revolution watershed such practices.

The controversial point now is the behaviour of candidates and the impact of irregularities committed by many of them on the electoral results. The most important point is the low turnout rates during the first phase, with only 26% turnout of all potential voters, according to the Supreme Electoral Commission (SEC).

It is very low turnout, compared to the presidential elections in May 2014 or the parliamentary elections held by in 2012. However, it is much higher than the rates before the 25 January Revolution. This opened the door to a community debate over the justifications and the motives of that meagre participation. Did voters boycott the elections? Or are there other motives than political justifications?

Let us recognise that the turnout and participation rates were very low and they are not commensurate with the importance of the next parliament or the requirements of this delicate phase in Egypt. Considering the low turnout is a result of a boycotting campaign is illogical and contradicts several objectives, undermining the basis of this proposal.

The first stage of Egypt’s parliamentary elections saw partisan participation with 44 political parties in the electoral process and candidates competing for the individual and list seats. Most parties were formed following the 25 January Revolution and many oppose the current regime. Parties’ candidates accounted for more than 34% of the total number of candidates during the first phase and parties won over 50% of the seats.

Previous figures clearly indicate that the political forces and party actors, except for those of the Muslim Brotherhood, did not boycott the elections or call for a boycott campaign. Therefore, the low turnout was not the result of political action and cannot be defined as boycotting. It is simply an Egyptian reluctance to participate in the elections, a behaviour which will take a relatively long time to change, and will need double effort of from political parties, the media, and civil society organisations to raise awareness and motivate people to get involved.

The low participation is due the negative role played by the media prior to the elections. There was a clear shortage in raising the issue of the parliamentary elections to their importance and the media was often more interested in other trivial issues.

Low participation in the elections overshadowed other positive features witnessed during the first phase of the elections. For the first time in many years, five women won individual seats without the application of quota. Three Coptic Christians also won seats in districts crowded with Muslims.

The rise of women and Copts in the first phase of the Egyptian parliamentary elections carries positive signs that a significant change has occurred in the attitudes and motivations of Egyptians voters. The chain of sectarianism and bias against women is close to breaking, taking into account that women and Copts won seats in poor traditional districts.

Ayman Okeil is the General Manager of Cairo-based NGO, the Maat Foundation for Peace, Development and Human Rights

إقالة الحكومة وحرص الرئيس على نزاهة الانتخابات البرلمانية

أيمن عقيل

لأول مرة في التاريخ السياسي المصري تتم إقالة وزير، ثم حكومة كاملة بسبب قضية فساد، فرغم أنها ليست المرة الأولى التي تتهم فيها حكومة ما بارتكاب جريمة الفساد أو التستر على مرتكبيها، فتاريخ الحكومات في مصر قبل ثورة يناير 2011 يشهد عشرات الوقائع، فإن تعامل القيادة السياسية مع القضية هذه المرة جاء مختلفًا ومتجاوزًا لكل ما اعتدنا عليه على مدى الأعوام الــ60 الماضية.

فقد شهد منتصف الأسبوع الماضي إجبار وزير الزراعة على الإقالة ليتم القبض عليها بعدها بدقائق وعلى بعد 100 متر من مقر مجلس الوزراء كمتهم في قضية فشاد ضخمة بوزارته، متورط فيها رسميًا– وفقًا لبيان النيابة العامة- رجل أعمال شهير وشخص محسوب على الوسط الإعلامي، ومدير مكتب الوزير المقال، بالإضافة بالطبع إلى الوزير نفسه، وبعدها بأقل من أربعة أيام تجبر الوزارة بكاملها على تقديم استقالتها ليتم تكليف وزير لم يتورط في قضايا أو شبهات فساد “وزير البترول المهندس شريف إسماعيل” بتشكيل حكومة جديدة خلال أسبوع.

بلا شك نحن إزاء طريقة جديدة في معالجة قضايا الفساد، الرئيس عبد الفتاح السيسي أكد بقراراته الأخيرة أنه غير متسامح مع الفساد كظاهرة وكفعل، وأنه لن ينحاز لأي اعتبارات أخرى طالما جرم الفساد أو التستر عليه أو التهاون في محاربته حاضر في المشهد، وربما تجدر الإشارة إلى عدة نقاط مهمة في موقف وقرارات الرئيس:

أولا: الرئيس لم يتردد في إقالة ومحاسبة وزير هو مسئول بشكل أو بآخر عن اختياره، وبالتالي هو لم يكابر فيما كان يكابر فيه مسئولون كثيرون في مصر سابقًا.

ثانيا: الرئيس يقيل الحكومة أثناء إجراء الانتخابات البرلمانية التي بدأت أولى مراحلها بداية سبتمبر 2015، ومن المتوقع لها أن تنتهي بنهاية نوفمبر 2015، وعلى الرغم من أن الحكومة ستستقيل بنص الدستور عقب انتخاب البرلمان، فإن الرئيس لم ينتظر هذه الفترة الوجيزة واتخذ قراره بإقالة الحكومة فورا، وهو ما يعد رسالة قوية مفادها أن الانتخابات ليست مبررًا للصبر على مسئول متورط –أو مشتبه في تورطه– في قضايا فساد.

ثالثا: وهي النقطة الأهم، أن الرئيس بقراره هذا يرسل رسالة واضحة تؤكد حرصه على نزاهة الانتخابات البرلمانية القادمة، فالرجل لم يترك حكومة مشكوكًا في نزاهة بعض وزرائها، تدير العملية الانتخابية في السنوات الأخيرة، وهي نقطة بكل تأكيد تحسب للرئيس، وفي نفس الوقت تطمئن قطاعًا واسعًا من المعنيين والمنخرطين في الشأن الانتخابي “أحزاب ومرشحين ومنظمات محلية ودولية”.

إن الفساد لا يقل خطورة بحال من الأحوال عن الإرهاب، فكلاهما يقوض جهود التنمية، ويضع حقوق الإنسان على المحك، ويسطو على حق المجتمع وحقوق أفراده، لذا فإن قوة الدولة في محاربة الفساد -والتي تجلت في الإجراءات الأخيرة للرئيس وللأجهزة الرقابية- هي الوجه الآخر الذي يتكامل مع قوتها في محاربة الإرهاب المستمرة منذ ما يزيد على عامين، وكما أن القوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني والإعلام يدركون أهمية الاصطفاف لمواجهة الإرهاب، عليهم أن يدركوا أيضًا أهمية الاصطفاف لمواجهة الفساد ومساعدة الرئيس على اقتلاع جذوره.

Civil society and the challenges of the law

Civil society was one of the key actors in the Egyptian political and social movement, witnessed during the last 10 years. This movement led to two great revolutionary waves on 25 January, 2011, and 30 June, 2013. The first one was against a corrupt system that came through rigged elections. The second was against a regime that was freely elected, but did not abide by the rules of democracy, and instead chose dictatorship and violence against its political rivals.

Since the launch of the protest movements in the middle of the first decade of the new millennium, civil society has been supportive of them and has defended the citizens’ rights to peaceful protests and to freely establish political parties and groups. It also had a major role in strengthening calls for rights and public liberties, which was the main demand of the public protest movement.

Following the 25 January Revolution, Egyptian civil society was met with accusations, mostly without any convincing evidence, and a negative media rhetoric was employed against civil society organisations, their role, and the legitimacy of their funding. This rhetoric merged some truths with untruths, but it fostered a distorted stereotype of civil society organisations and their role in the Egyptian political and social movement.

Despite this, civil society organisations managed to add a progressive article in the Constitution of 2014, as Article 75 stipulates that citizens have the right to establish national associations and institutions on a democratic basis. The article guarantees their right to obtain legal status, and banned administrative authorities from interfering in their affairs or dissolving them, their boards of directors or boards of trustees without a court verdict.

This constitutional text was a triumph for civil society organisations. However, the foremost challenge now is to convert this text into laws and regulatory procedures. This will be followed by the need to rehabilitate the administrative authorities to act upon this legislative philosophy that will govern civil society organisations, and finally adapt those organisations to function in accordance with the law.

The first two challenges require true political will, whether in the executive or legislative authorities to be elected within the next few months. In addition, they require more pressure and engagement in the process of legislation development from civil society organisations, as well as developing the role these organisations can play in training and building the capabilities of executives after the approval of these legislations.

The third challenge, concerning civil society organisations’ adaptation to function in accordance with the new legislations, depends primarily on the presence of adequate will and desire within the organisations themselves to work in the framework of the law.

If the reasons that have forced human rights activists to register their organisations as civil companies to escape from the ire of the current law are understandable and perhaps justified, these reasons would not be acceptable under the new pending law. This is especially in light of the fact that the “confused” legal status of these organisations provided an opportunity for anti-civil society forces to challenge their credibility and patriotism.

Ayman Okeil is General Manager of Cairo-based NGO MAAT for Peace, Development and Human Rights

NGOs accuse state of corruption, but we don’t look at ourselves: Maat GM

Ayman Okeil discusses postponed elections, and internal politics among Egyptian NGOs

Maat for Peace, Development and Human Right has been working in Egypt since 2005 and officially registered as an NGO in 2008. Surviving and growing in an environment that has been rather restrictive on civil society, Maat is also working in partnership with the Global Network for Rights and Development (GNRD) based in Norway, and the International Institute for Peace, Justice and Human Rights (IIPJHR) based in Switzerland. They had planned the biggest observation mission for the expected parliamentary elections, made upof over 1,000 local and 158 international observers from 31 states.

Daily News Egypt spoke to Ayman Okeil, General Manager of Maat, on the current political and human rights situation, in addition to the discussion about the parliament and the work of civil society in Egypt.

As a regular participant in international events, what is the situation of human rights in Egypt and how is it viewed abroad, for example in the UN Human Rights Council’s sessions in Geneva?

Let’s admit that there are human rights’ violations from 2011 until now in Egypt, but we also have to take into consideration the factors affecting this period, such as the number of protests, road obstruction incidents, attacks, explosions, etc. With all of this happening, surely there are violations. Amid clashes between people on the streets and police forces, as hard as it is to tell which party is to blame. It is undeniable that there are victims, killings and tortures in police stations. But again, I cannot hold one party fully responsible because it is a process of wrong actions and reactions. Both sides might be convinced they are right.

How is the performance of Egyptian speakers on the situation of human rights?

As a civil society activist, I cannot discuss human rights’ issues from one perspective only. I must admit that there is a crisis that has to be solved. In Geneva, there was an opposition voice against the abuse of the military regime, but their speech ignored the other side.

My point is if we are aligned on the fact that what happened in 30 June 2013 was a military coup d’état, or that the Protest Law must be abolished, we must ensure the proper means to counter those violations, or else we are just wasting our rights. In other words, the police has more weapons than citizens, so is protesting the best way to reject the Protest Law, or will it lead to more damage than advantages? Looking at the numbers of killings and imprisonments, this strategy has obviously not worked.

Another problem for human rights’ advocates is the political speech they use, which does not serve their cause, using words like “political detainees” and playing more the role of opposition political activists than civil society.

Did their reports get attention in Geneva? On the contrary; Egypt “passed the test” in the Universal Periodic Review. This was thanks to Egyptian diplomacy. Why? Because the UN Human Rights’ Council is not an institution that can implement punishment. They can only produce recommendations. Egypt played it smart by accepting some recommendations, discussing and negotiating, and the result was that its final official report was approved. In comparison, other human rights’ reports were not recognised or influential. Even when they talked about the killing of Shaimaa Al-Sabbagh, the response was that “legal measures have been undertaken by the Prosecutor General”. Thus, getting back a right is a skill and conferring the issue must be properly done.

Do we have a problem with our civil society organisations?

Yes, because some of them undertake a political pressuring role against the government, which makes it impossible to work together towards progress. We also exchange accusations when one of us works with the government. But I tell them, yes, sometimes I have to negotiate with the other party to get results, unlike some who were unable to achieve anything for the citizens, now either live in fear and oppression or outside the country, uselessly.

Isn’t the state oppressing NGOs, especially those working in human rights?

It is a circle. As I told you, it depends on how you approach the state and tackle issues. For instance, the difference between my approach and somebody else’s would be how we discuss the same problem. I will try to make my point, for instance, by stating and proving a torture case. The government will deny it. The other organisations would not even sit with the government, and speak of systematic torture of prisoners, attack the state in their speeches. They reach a dead end and the state does not want them to work anymore, exchanging accusations of foreign conspiracy agendas. On the other hand, the state must amend the NGOs law.

Indeed, how do you view this new draft law regulating NGOs and other independent entities? Some claimed it is going be yet another form of subordination to direct state monitoring, financial and security control?

I don’t agree. I think that one of the positive points of the law is that there will be a defined specialised committee approving or rejecting my projects, giving me a chance to appeal their decision before court. It also stipulates that an NGO is established with prior notification to the Ministry of Solidarity, which eases bureaucratic procedures. As for the part where we have to submit to monitoring, I don’t see a problem as long as I have nothing to hide. I mean, before that NGOs were oppressed and denied authorisations without knowing “who” was behind it, and we knew it was National Security. Now things will be on the table, with clearly stated reasons for the rejection.

How about bringing NGO workers to questioning and trials, as in the infamous case of 2011?

Maat was investigated during that event then released. The state is entitled to know where the money I am receiving from foreign sources is going. But let me tell you something else, it is sometimes us – civil society workers – who work against each other, file reports about each other, because it’s a highly competitive environment and we know each other’s “dirty business.” We pretend we are transparent but we’re not always so. We accuse the state of corruption, but we don’t look at ourselves.

Meanwhile, how would you assess the situation regarding parliamentary elections, the political environment, and the security condition in the country?

Parliamentary elections are late, even when first announced to take place last March, because the Supreme Electoral Commission (SEC) also delayed the announcement of the candidates’ registration. Obviously, the decision-making seemed troubled. Also, the laws organising parliamentary elections were controversial, and were debated for a long time. Many political factions rejected them, and the surprise was when the Supreme Constitutional Court (SCC) decided the non-constitutionality of the law regarding the division of electoral districts, less than a month before elections were due to start. What happened was a serious mistake. Now we are ‘indefinitely’ waiting for legal amendments.

President Abdel Fattah Al-Sisi gave the committee in charge of drafting a new law one month, but here we are without progress yet. And I believe once the law comes out, there will be new appeals against it. We are in front of a very long process where the structure of the upcoming parliament depends on new candidates who will run this time. Political parties are divided between those who claim they were not considered for social dialogue and those who participated, despite that most of their suggestions were not used by the committee.

From January to April, and despite the halt of the elections, we – as a civil society organisation working with the International Observatory Mission – chose to observe political and social, economic and security changes in Egypt, which like parliamentary elections, are all components of the transitional period. We are focused on events related to violence and terrorism and their influence on the electoral process. We observed that over time, armed groups’ increased attacks on civilians and public facilities, especially as we got closer to the Economic Summit held in mid-March. We believe in a strong correlation between our variables, on the hypothesis that if citizens feel unsafe on the streets, they are not likely to put their lives in danger in order to vote for parliament.

In your opinion, why are we unable to get it right concerning parliamentary laws?

All the legislators are constitutional experts and sometimes there is no one right way, but rather various opinions which could be correct as well. However, we are in difficult political times and many factions aspire to political power and are in conflict with each other. Each party is watching the other, catching their mistakes, and that is why any issued law will remain at risk of non-constitutionality. The SCC’s work under pressure results in flawed decisions.

Amid those political conflicts and disagreements among parties, some claimed the state directly interfered with electoral coalitions.

So they claim, but I think that is not the issue here. The real problem we need to address is what do citizens need? The basic citizen’s need is to survive. So security and bread are the most important things, and dignity is on many occasions irrelevant. Start speaking to them about democracy, freedoms and those concepts, they will not show the slightest interest. But tell them you’re a dictator and at the same time give them a satisfying monthly amount of money, they will be happy. These people’s top wishes are to be able to feed their families. They don’t have any higher ambitions.

The public has become a guinea pig for different political regimes, yet did not see changes. Anybody who is going to speak in the name of democracy is not going to be appealing anymore to citizens, who only want to hear about economic growth and social development. Try to compare the limited or conditioned attendance of people to an educational seminar, and on the other hand their arrival hours early to an event which involves the distribution of free or very cheap products, such as school books. If a president wants the people to call his name, he should focus on social and economic rights, rather than political and civil rights.

Do you not think that in order to improve economic and social rights, there needs to be a democratic environment where corruption is not widespread, as well as guarantees that those rights are delivered on one hand, and accountability for failures on the other?

These two files are the main ones the agendas of civil society organisations. Some, and I was among them, claim that political and civil rights are more important than economic and social. We argued that in a democratic nation, transfer of power and a parliament representative of people’s will is the key to success. The other opinion places economic and social rights at the centre. A decent life, a satisfying income, health, education and so on, should pave the way for a democratic environment.

I personally tried to find a balance in between, which is based on a human rights approach, meaning that the two issues should progress in parallel, none of them should be less important than the other.

I believe that the neglect of economic and social rights is a weapon used by those in power to keep people’s ambitions at the lowest possible point. If people become economically and socially happy, they are going to seek more political rights. But when you have to work all day to earn a minimum living, you do not have time to think about powers, torture, freedom and so on. If the regime wants a democratic transition, it will care more about people’s rights to a decent economic and social status. Bear in mind that if any uprisings are on the rise, it is not going to be a revolution, but war.

Maat’s relationship with the state is to share interests, not oppose them to the well-being of the citizen. As so we don’t start by pressuring the government, but looking to help them. If they reject this help, we will turn it into pressure for them to execute.

You have had international experience over time in elections’ observations, especially in the Arab world. What are the differences and similarities with Egypt?

Indeed, I was in Sudan, Tunisia, Jordan, Iraq and Morocco. Each country has its situation. In Jordan, for example, the voters’ database is nearly four million people in comparison to Egypt with over 50 million. But at a time when we still depended on paper, Jordan was much more advanced in technological use during elections, such as digital voters’ registration. Egypt started realising many of the things that kept it behind other countries, such as establishing a permanent independent electoral commissioner in charge of the elections, in Jordan called the Independent High Electoral Commission.

المنظمات المدنية في مصر الواقع والدور المنتظر بعد ثورة 25 يناير 2011

تمهيد

شهدت مصر ثورة شعبية عارمة في 25 يناير 2011 استطاعت ان تسقط نظام حكم ظل قائما منذ قرابة الثلاثين عاما ، ودخلت البلاد إلى مرحلة انتقالية بدءا من يوم 11 فبراير 2011 ويفترض أن تنتهي قبل منتصف عام 2012 بوجود برلمان منتخب ينبثق عنه لجنة تأسيسية لصياغة دستور جديد للبلاد ، ورئيس جمهورية منتخب  وعودة المجلس الأعلى للقوات المسلحة إلى ثكناته بعد أداء مهـمته التي تولى خلالها حكم البلاد في المرحة الانتقالية .

وتمثل منظمات المجتمع المدني في مصر ركنا مهـما من أركان المنظومة الاجتماعية والسياسية  ، وقد كان لها دورا مؤثرا وبارزا في مرحلة ما قبل وأثناء الثورة ، كما ينتظر ان تلعب دورا مهـما في مرحلة بناء النظام الجديد  والعبور بالوطن  من برزخ المرحلة الانتقالية بسلام .

والورقة التي بين أيدينا تقدم رؤية لواقع  المنظمات المدنية في مصر ، ثم عرضا لدورها في  مرحلة ما قبل وأثناء الثورة ، كما تقدم رؤية مستقبلية لاستجابة منظمات المجتمع المدني المصرية للتحديات التالية لمرحلة الثورة  والإشكاليات  التي تواجه قدرتها على الاستجابة للتحديات ، كما تقدم توصيات محددة لتفعيل هذا الدور .

 

المحور الأول :- المنظمات المدنية في مصر

منظمات المجتمع المدني نظرة عالمية

شهدت سنوات العقد المنصرم توسعاً مذهلاً في حجم ونطاق وقدرات المجتمع المدني في جميع أنحاء العالم، مدعوماً بعملية العولمة واتساع نطاق نظم الحكم الديمقراطية، والاتصالات السلكية واللاسلكية، والتكامل الاقتصادي.

إن قطاع المجتمع المدني لا يبرز فقط كجهة فاعلة واضحة على المستوى المجتمعي في أجزاء كثيرة من العالم، لكنه يتسم كذلك بتنوع ثري في طبيعته وتركيبته. ولهذا السبب، تتفاوت تعريفات المجتمع المدني بدرجة كبيرة استناداً إلى اختلاف النماذج التصورية والأصول التاريخية والسياق القطري العام.

ويتبنى البنك الدولي تعريفاً للمجتمع المدني أعده عدد من المراكز البحثية الرائدة .

“يشير مصطلح المجتمع المدني إلى المجموعة واسعة النطاق من المنظمات غير الحكومية والمنظمات غير الربحية التي لها وجودٌ في الحياة العامة وتنهض بعبء التعبير عن اهتمامات وقيم أعضائها أو الآخرين، استناداً إلى اعتبارات أخلاقية أو ثقافية أو سياسية أو علمية أو دينية أو خيرية.

ومن ثم يشير مصطلح منظمات المجتمع المدني إلى مجموعة عريضة من المنظمات، تضم: الجماعات المجتمعية المحلية، والمنظمات غير الحكومية ، والنقابات العمالية، وجماعات السكان الأصليين، والمنظمات الخيرية، والمنظمات الدينية، والنقابات المهنية، ومؤسسات العمل الخيري  ( البنك الدولي ، 2010)

وقد أوضح تقرير منظمة التعاون والتنمية في الميدان الإقتصادى أن عدد المنظمات غير الحكومية الدولية زاد من 6000 منظمه عام 1990 ليصبح أكثر من 50 ألف منظمه عام 2006 ثم ليزداد ليقترب من 130 ألف منظمه غير حكوميه عام 2010  ،كما يشير تقرير منظمة التعاون والتنمية في الميدان الإقتصادى أن هذه المنظمات قدمت مساعدات تقدر بحوالي 15 مليار دولار أمريكي من المساعدات الدولية حتى عام 2006 وزادت إلى 100   مليار دولار أمريكي حتى عام 2009 وتعتبر جهات منظمات المجتمع المدني لها تأثير في تشكيل السياسات العامة على مستوى العالم خلال العقدين الماضيين ويبدو هذا النشاط جلياً من خلال الحملات الدعائية الناجمة التي تدور حول قضايا بعينها مثل حظر زراعة الألغام الأرضية وحماية البيئة وتوفير الغذاء ومكافحة الفقر ونجحت المنظمات المجتمع المدني دولياً وإقليمياً في حشد ألاف المساندين  لها في شتى أنحاء المعمورة ( السيد 2011 )

 

خلفية عن منظمات المجتمع المدني المصرية

تتخذ  منظمات المجتمع المدني المصرية المعنية هنا ، شكل الجمعيات والمؤسسات الأهلية ، حيث تعرف الجمعية قانونا بأنها كل جماعة ذات تنظيم مستمر لمدة معينة أو غير معينة تتألف من أشخاص طبيعيين لا يقل عددهـم عن عشرة أشخاص أو من أشخاص اعتباريين بهدف عدم الحصول على ربح ( الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء ، 2009 ) .

ورغم أن القانون الذي يحكم عمل المنظمات الأهلية في مصر هو القانون 84 لسنة 2002 ، وتقوم على تطبيقه وزارة التضامن الاجتماعي ، فإنه في حالات قليلة تتخذ المنظمات الأهلية شكل الشركات المدنية  غير الهادفة للربح ،  وفي هذه الحالة فإنها لا تخضع لرقابة وزارة التضامن الاجتماعي ، وفي نفس الوقت لا تخضع لأحكام القانون 84 لسنة 2002 ، ولكنها تؤدي نفس الوظائف التي تؤديها المنظمات الأهلية الأخرى الخاضعة لهذه الآليات .

القانون الحاكم حاليا لعمل الجمعيات والمؤسسات الأهلية في مصر  وهو القانون 84 لسنة 2002 يعتبر  أن الجمعية  أو المؤسسة  هي ” كل جماعة ذات تنظيم مستمر لمدة معينة أو غير معينة تتألف من أشخاص طبيعيين، أو أشخاص اعتبارية، أو منهـما معاً. لا يقل عددهـم في جميع الأحوال عن عشرة، وذلك لغرض غير الحصول على ربح مادي. ”

وقد شهدت أعداد المنظمات الأهلية زيادة كبيرة  خلال  السنوات الماضية ، ورغم وجود تضارب في الإحصائيات الخاصة  بالمنظمات  الأهلية  ، إلا أن التقديرات الحكومية تشير إلى وجود ما يزيد على 26 ألف  جمعية ومؤسسة  أهلية ، منها 198 منظمة تصنف على إنها منظمات حقوقية  ، بينما تعمل الجمعيات الأخرى في مجالات التنمية والرعاية الاجتماعية والأنشطة الخيرية  ، هذا إلى جانب عدد محدود من المنظمات المشهرة كشركات مدنية غير هادفة للربح  وتقوم بعمل الجمعيات والمؤسسات .

الفترة الزمنية عدد الجمعيات المنشأة المتوسط السنوي
1964- 1973 3161 316
1974-1983 2304 230
1984- 1993 2441 24
1994-2003 4788 479
2004-2006 1694 850
2006-2010 6452 1613

وتشير البيانات المتوفرة  إلى أن  المتوسط السنوي لعدد الجمعيات التي يتم إشهارها قد تزايد بشدة في السنوات العشر الأخيرة وكما هو الحال على المستوى العربي فإنه على المستوى الوطني لم يتوقف  التطور الذي طرأ على  منظمات المجتمع المدني عند الزيادة العددية فقط ، ولكنه تجاوزها إلى  زيادة وتنوع ميادين العمل التي تعمل فيها هذه المنظمات ، فوفقا للمادة (11) من قانون  (84 ) لسنة 2002 ، وهو القانون الحاكم لعمل المنظمات الأهلية ، فإن الجمعيات  الأهلية تعمل على تحقيق أغراضها في الميادين المختلفة لتنمية المجتمع وفقا للقواعد والإجراءات التي يحددها القانون واللائحة التنفيذية .

وقد أجاز ت المادة (11)  من القانون  للجمعية – بعد أخذ رأى الاتحادات المختصة وموافقة الجهة الإدارية – أن تعمل في أكثر من ميدان ، كما حظر  إنشاء الجمعيات السرية ، والجمعية التي تمارس  نشاطا  مثل تكوين السرايا أو التشكيلات العسكرية أو ذات الطابع العسكري  ، او يهدد  الوحدة الوطنية أو يخالف  النظام العام أو الآداب أو يدعو  إلى التمييز بين المواطنين بسبب الجنس أو الأصل أو اللون أو اللغة أو الدين أو العقيدة ،.

كما حظرت نفس المادة من القانون   على الجمعيات ممارسة نشاط سياسي تقتصر ممارسته على الأحزاب السياسية وفقا لقانون الأحزاب وأي نشاط نقابي تقتصر ممارسته على النقابات وفقا لقوانين النقابات ، كما حظر عليها   استهداف تحقيق ربح أو ممارسة نشاط ينصرف إلى ذلك .، فيما أجاز القانون للجمعية بعد اكتسابها الشخصية الاعتبارية القيام بأي نشاط يؤدي إلى تحقيق أغراضها في تنمية المجتمع.

وقد أوضحت المادة (48 ) من اللائحة التنفيذية للقانون (84 ) لسنة 2002  إنه يعد من ميادين تنمية المجتمع أية أنشطة تهدف إلى تحقيق التنمية البشرية المتواصلة سواء في ذلك الأنشطة التعليمية أو الصحية أو الثقافية أو الخدمات الاجتماعية أو الاقتصادية أو البيئية أو حماية المستهلك أو التوعية بالحقوق الدستورية والقانونية أو الدفاع الاجتماعي أو حقوق الإنسان ، وغير ذلك من الأنشط

المنظمات الدفاعية  المصرية كلاعب رئيسي في  حقل الحراك الاجتماعي

يمكن تصنيف منظمات المناصرة أو المنظمات الدفاعية وفقا لمجالات أنشطتها بحسب ما جاء في تقرير التنمية البشرية لمصر 2008 كالتالي ( معهد التخطيط القومي ، 2008 ) :-

  • منظمات حقوق الإنسان

هناك 61 منظمة مناصرة تعمل في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان منذ مطلع عام 2007 وفقا لنتائج مسح الاتحاد العام للجمعيات والمؤسسات الأهلية , وتم تسجيل بعض هذه المنظمات في إطار القانون رقم 84 لسنة 2002 , بينما تم تسجيل البعض الآخر كشركات غير هادفة للربح , وتعمل هذه المنظمات في ثلاث مجالات أساسية :

  • الرقابة والرصد لحالات انتهاك حقوق الإنسان.
  • تعزيز ثقافة حقوق الإنسان ( من خلال التوعية والندوات والبحوث والمؤتمرات والتقارير )
  • تقديم المساعدة القانونية المباشرة للمتضررين من انتهاكات حقوق الإنسان.

وتري جماعات المناصرة أن التنمية البشرية تضمن نوعية حياة أفضل لكافة المواطنين , وتعتبر حقوق الإنسان كما عرفها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان سواء في الساحة السياسية أو المدنية أو الاقتصادية أو الاجتماعية مكونا أساسيا للتنمية البشرية وغاية هامة للمجتمع المدني  .

وقد ركز معظم الجيل الأول لمنظمات المناصرة في مصر على الحريات المدنية والسياسية وحقوق المواطنة ومن أهـم أمثلته المنظمة المصرية لحقوق الإنسان ، مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان , بينما ركز معظم الجيل الثاني على حقوق المرأة والعمال والفلاحين ، ومن أهـم نماذج منظمات الجيل الثاني دار الخدمات النقابية ، مركز الأرض ،  وحاليا بدأت جماعات المناصرة في التركيز على قضايا اجتماعية أخرى مثل الحق في التعليم والمسكن أو منع أي شكل من إشكال الإهـمال الطبي, ومن أمثلة جماعات المناصرة التي تبذل جهودا من اجل كفالة الحقوق الاجتماعية الأساسية : المركز المصري لحقوق السكن ,والجمعية المصرية للدفاع عن ضحايا الإهـمال الطبي, وجمعية الدفاع عن حقوق سكان العشوائيات .

 

  • حماية المستهلك

يبلغ عدد هذه الجمعيات رسميا 671 جمعية وفقا لبيانات الاتحاد العام للجمعيات والمؤسسات الأهلية, وعلى الرغم من أهـمية الأنشطة التي تمارسها هذه الجمعيات للتصدي لارتفاع أسعار السلع الأساسية مثل المواد الغذائية والأدوية إلى جانب الانتشار المخيف للغش والفساد الذي تغلغل في المعاملات العادية , فإننا لا نكاد نعرف شيئا عن دورها ومدى فاعليتها ويبدو هذا أمرا غريبا , بالنظر إلى عددها الرسمي الكبير وفي مجال ينبغي دراسته علميا .

 

  • حماية البيئة

تصنف هذه الجمعيات عالميا تحت مظلة منظمات المناصرة وعلى الرغم من أن هناك دراسة متخصصة , أجريت في مطلع الألفية , رصدت عددا من الجمعيات النشطة في مجال حماية البيئة يبلغ نحو 76 جمعية , إلا أن عددا كبيرا من الجمعيات ( حوالي 4416 جمعية في بداية عام 2007 ) تسجل في أوراق إشهارها  هذا النشاط رسميا لدي وزارة التضامن الاجتماعي كواحد من أنشطتها . وهذا الرقم بطبيعة الحال لا معني له , حيث لا يستند إلى أي دليل يثبت أن هذا النشاط يمارس فعلا .

 

  • منظمات المرأة

تستهدف هذه المنظمات  الدفاع عن حقوق المرأة والنهوض بها من خلال السعي إلى التأثير في صانعي السياسات والتشريعات والى التوعية بالحقوق السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية للمرأة وهناك نوعان من المنظمات الأهلية النسائية  :-

  • المنظمات التي تشكلها النساء وتقتصر مواقع صنع القرار فيها , أي مجلس الإدارة , والعضوية على النساء فقط وتخدم النساء فقط.
  • المنظمات التي تستهدف النساء فقط وتسعى إلى تمكينهن من خلال آليات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية قومية , وعلى الرغم من أن هذه المنظمات كانت مغلقة على النساء فقط , إلا إنها فتحت أبوابها لعضوية الذكور, انطلاقا من أن قضايا المرأة تحتاج إلى دعم قوي من المجتمع ككل ومن الرجال بصفة خاصة .

 

المحور الثاني : دور منظمات المجتمع المدني في إحداث الحراك الشعبي

  • دور المنظمات  المدنية  فى العمل مع الأطراف الفاعلة  في الثورة  ( قبل الثورة)

أولا :-  المنظمات المدنية بين الدور السياسي والحقوقي

وفقا لمقالة مهـمة للناشط الحقوقي المعروف هيثم مناع ، ففي بداية الثمانينات، دخل عدد كبير من السياسيين والمثقفين  حركة حقوق الإنسان في البلدان العربية  وهو ما خلق خلطا كبيرا  بين السياسي والحقوقي وبين المهـمات والبرامج

وفي عام  1989  أجريت  مقارنة بين البرنامج السياسي لعدة أحزاب في الأردن واليمن ومصر وسورية وتونس والجزائر والسودان مع برنامج عمل أكثر من منظمة محلية لحقوق الإنسان ولم يوجد فارقا كبيرا يذكر . ولا يعود ذلك فحسب إلى ضعف عملية الوعي المجتمعية والسياسية وإنما أيضا إلى حقيقة أن العديد من المهـمات كانت بالفعل تتقاطع وأن من هـموم الحركة السياسية وحركة حقوق الإنسان كلاهـما مثلا رفع حالة الطوارئ وإقرار دستور تعددي ودمقرطة الحياة السياسية والنقابية كذلك الإفراج عن كافة معتقلي الرأي الخ.

لقد اكتسبت حركة حقوق الإنسان مصداقية في مرحلة عاشت فيها الأحزاب السياسية أزمة هوية و شقاق مع مجتمعاتها. وتكاد نقاط الاهتمام الجماهيرية تنحسر في عدة بلدان بين الحزب الحاكم بالترهيب والحركة الإسلامية بخطاب الترغيب. ومن هنا توجهت الأنظار لنشطاء حقوق الإنسان كتعبير عن رفض مزدوج في الغالب أو ملجأ حماية أخلاقية ، لأن نشطاء حقوق الإنسان يلعبون دور أساسي في عملية الوعي وفي النضال ولكن ضمن ثلاثة منارات أساسية (مناع ، 2009  ) :-

  • المنارة الأولى ، هي اعتبار حقوق الإنسان ، وليس البرنامج الديمقراطي السياسي الناظم (الحاكم) الأساسي لعمل النشطاء. وذلك باعتبار حقوق الإنسان مرجعية قانونية دولية لمراقبة قوانين وإجراءات الحكومة، والحركة السياسية أينما كان خندقها (موقفها الأيديولوجي ). فهي ليست رهينة تصويت الأغلبية، ولا يكفي مثلا اجتماع 90 % من الجزائريين على العقوبات الجسدية لنقبل بها ولا يكفي وجود أغلبية أمريكية مع حكم الإعدام لتسلم فيه ( فمن المهـم قياس رأي الأغلبية على ما تملية معايير حقوق الإنسان)
  • المنارة الثانية هي قاسم مشترك : باعتبارها تدعم كل معركة سياسية ديمقراطية في المجتمع تهدف إلى دمقرطة الأوضاع الدولانية والمجتمعية وحماية حقوق الأفراد والمجتمعات السياسية والمدنية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والبيئية. من هنا ستتقاطع حينا مع قوى ليبرالية تطالب بحقوق سياسية محددة ومع قوى اشتراكية تصر على حق التعليم والصحة والتنمية ومع قوى نقابية تؤكد على حق العمل وأنسنة العمل ومع مصلحين إسلاميين يعتبرون الأخلاق منظما أساسيا للعلاقات السياسية والتضامن حقا أساسيا من حقوق الإنسان . سنتقاطع بالتأكيد مع قوى متعددة تشاركنا نقاط أساسية من الشرعة الدولية لحقوق الإنسان ولكن واجبنا هو الإصرار على تحديد نقاط التقاطع والتخوم بيننا بوضوح  ودون مجاملة.
  • المنارة الثالثة هي اعتبار حقوق الإنسان كسلطة مضادة : بالإصرار على رفض الاندماج في الجسم السياسي الحزبي مهـما كانت الغاية نبيلة. فلا مجال للخلط بين أهدافها ووظائف السياسيين باعتبارهـم مرشحين تلقائيين للسلطتين التشريعية والتنفيذية. في حين تشكل عملية البناء المدنية للقوى الاجتماعية من نقابات و جمعيات وأشكال تضامن واندماج أهليين ومبادرات قاعدية الهدف الأسمى لنشطاء حقوق الإنسان الذين يهـمهـم الإنتاج الواسع للإنسان السياسي والمدني اكثر مما يهـمهـم قيادته.

 

ثانيا :-  دور المنظمات المدنية المصرية في العمل مع  الأطراف السياسية قبل الثورة

الطرف الرئيسي الفاعل في ثورة 25 يناير 2011 في مصر هـم الشباب ، وقد شهدت السنوات العشر السابقة للثورة نشاطا متزايدا من منظمات المجتمع المدني المصرية في العمل مع هذه الفئة في مجالات التوعية بالحقوق السياسية وحماية الحق في المشاركة السياسية ومناهضة الانتهاكات التي يتعرضون لها خلال  مسيرتهـم  نحو التغيير السلمي .

وسوف نرصد فيما يلي أهـم ملامح عمل منظمات المجتمع المدني مع هذه الفئة للوقوف على طبيعة وأشكال الدعم المقدم لهـم والذي يعد من قبيل المشاركة غير المباشرة لمنظمات المجتمع المدني في الثورة المصرية .

 التثقيف الحقوقي والسياسي للنشطاء

لعبت  منظمات المجتمع المدني المصرية دورا مهـما في التثقيف والتوعية بالحقوق ، وقد نشطت في هذا الميدان  منظمات المجتمع المدني الحقوقية على وجه الخصوص  ، وبشكل عام يمكننا حصر أهـم مجالات نشاط المنظمات المدنية  في هذا الشأن  خلال السنوات العشر الأخيرة فيما يلي :-

  • التوعية بالحقوق القانونية والدستورية ، وتقوم بهذا النشاط في الأساس المنظمات المسجلة كمنظمات حقوقية ، وهي تستهدف مدى واسع من الفئات ، كما تتضمن سلة من الحقوق ، ومن أهـم الحقوق التي يتم التركيز عليها لنشر الوعي بها من قبل منظمات المجتمع المدني خلال السنوات العشر الأخيرة حقوق العمال وحقوق ذوي الإعاقة وحقوق الطفل وحقوق المرأة .
  • التدريب على الصكوك الدولية لحماية حقوق الإنسان ، وهي تركز بالأساس على ناشطي المنظمات الأهلية والشباب المتطوع وطلاب الجامعات وشباب المحامين.
  • التدريب على مهارات مراقبة الانتخابات ، وقد اتسعت دائرة هذه التدريبات بعد حصول المنظمات بحكم قضائي يؤيد حقها في مراقبة الانتخابات في العام 2005 ، و هناك عدد كبير من المنظمات التي تنشط في مثل تقديم مثل هذه التدريبات وهو ما ساعد على تمكين الشباب من الوقوف على الانتهاكات المرتبطة بالعملية الانتخابية والتي كانت دافعا قويا لقيام الثورة .

 تقديم الدعم القانوني للنشطاء ضحايا الانتهاكات

شهدت السنوات الأخيرة من حكم مبارك تزايدا في حالات تعرض نشطاء الحركات الشبابية للاعتقال والتعذيب أو حتى التعدي على حقهـم في التجمع السلمي ، وكانت المنظمات الحقوقية المصرية الداعم الرئيسي لهؤلاء الشباب من خلال تقديم مختلف أشكال الدعم القانوني لمن يتم اعتقاله او احتجازه منهـم ، فضلا عن رصد وتوثيق كافة الانتهاكات التي يتعرضون لها فيما يتعلق بحقهـم في تنظيم المظاهرات والدعوة للإضرابات.

 

النقد الحقوقي للأوضاع السياسية

شهدت السنوات العشر الأخيرة  تصاعد نشاط الحركة الحقوقية وتحولت إلى رقم مؤثر يصعب تجاهله أو القفز فوقه في المعادلة السياسية والاجتماعية ، وأضحت المنظمات الحقوقية بأجيالها الثلاث المحرك الحقيقي الذي يقف خلف الخطوات الإصلاحية الجزئية التي اتخذتها الدولة خلال الأعوام العشرة الماضية في الميادين السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتنظيمية ، وتجاوزت الحركة الحقوقية في ذلك كل التيارات السياسية ( الحزبية وغير الحزبية ) الموجودة على الساحة في حجم ما دفعت الحكومة لتقديمه للمواطن المصري ( جاد الكريم ، 2010 )

وقد أسهـم النقد الحقوقي للأوضاع السياسية في مصر بشكل واضح في قيام ثورة يناير ، كما أسهـم هذا النقد وما نشر بمقتضاه من تقارير  في صياغة شعارات ومطالب الثورة ، بل إن الكثيرين يروا ان الثورة في مضمونها ثورة حقوقية خالصة ،  فوفقا لتقرير حقوق الإنسان في العالم العربي لعام 2010 والذي يصدر سنويا عن مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان فإن  أسباب الثورات في الأقطار العربية  تتمثل في :-

  • التدهور الهائل في وضعية حقوق الإنسان، حتي في البلدان التي كانت أو مازالت تنعم ظاهريا بدرجات من “الاستقرار” السياسي.
  • افتقار نظم الحكم المختلفة للإرادة السياسية للنهوض بأوضاع حقوق الإنسان في بلادها.
  • الجمود علي مستوي التطور التشريعي، حيث حافظت نظم الحكم العربية علي معين لا ينضب من مخزون التشريعات المعادية لحقوق الإنسان، والتي استخدمت في التأديب والتنكيل بالخصوم، وملاحقة دعاة الإصلاح والديمقراطية وحقوق الإنسان. بل سجل التقرير في هذا الإطار أن التطورات التشريعية ـ علي محدوديتها في عام 2010 جاءت أغلبها في اتجاه مزيد من التشدد وقمع الحريات وبخاصة في مصر وتونس والسودان.
  • استمرار النهج السلطوي في تكريس الحصانة والإفلات من العقاب علي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.
  • توظيف حالات الطوارئ المعلنة وقوانين مكافحة الإرهاب في تبرير ارتكاب جرائم خطيرة، كالقتل خارج نطاق القانون والاختطاف والاختفاء القسري والاعتقال التعسفي والتعذيب والمحاكمات الجائرة، وعلي وجه الخصوص في تونس ومصر واليمن وسوريا والبحرين والمغرب والمملكة السعودية.
  • استمرار السياسات التي تكرس وتؤبد الحكم المطلق أو تمهد لتوريثه في إطار عائلي في مصر وتونس واليمن، أو تؤمن بشكل منهجي التمييز الاجتماعي والاقتصادي والإقصاء السياسي علي أسس عرقية أو طائفية أو مذهبية، وبخاصة في البحرين والمملكة السعودية وسوريا.
  • تزوير إرادة المواطنين من خلال تزييف الانتخابات العامة.

دور المنظمات  المدنية  في العمل مع الأطراف الفاعلة  في الثورة  ( أثناء  الثورة)

أولا :- حماية حق الثوار في الاحتجاج السلمي

بدأت الثورة المصرية يوم 25 يناير وقوبلت برد فعل عنيف من أجهزة الأمن المصرية حيث تم تفريق المظاهرات بالقوة واعتقال عدد كبير من النشطاء ، واستمرت هذه الممارسات القمعية لفترات طويلة بعد الثورة ، كما حدث أن أحيل عدد من النشطاء إلى محاكمات مدنية وعسكرية بتهـم يرى الكثيرون براءتهـم منها .

لذا فقد قامت العديد من  منظمات المجتمع المدني الحقوقية بدورا متميزا في الوقوف إلى جانب الثوار وتقديم الدعم القانوني  لهـم  والدفاع  عنهـم أمام الجهات القضائية بشكل تطوعي .

كما نظمت بعض المنظمات الحقوقية حملات تحت عنوان لا للمحاكمات العسكرية للمناداة بإحالة كل متهـم إلى قاضيه الطبيعي ، وقد أسفرت هذه الحملات عن قرارات للمجلس العسكري الحاكم في مصر في أعقاب الثورة بوقف إحالة المدنيين للمحاكم العسكرية .

ثانيا   :- تأدية أدوار  مجتمعية  ملحة أثناء الثورة

نظمت كثير من منظمات المجتمع المدني حملات في مختلف مناطق الجمهورية أثناء وبعد الثورة بهدف  تقديم مساعدات مادية وعينية إلى المتضررين من الأحداث الثورية  وخاصة الأسر التي فقدت عائدها اليومي من أصحاب المهن الحرة ، كما اتجهت بعض المنظمات إلى  إقامة مشروعات صغيرة توفر دخل ثابت لبعض الأسر .

فضلا عن ذلك فقد  قامت بعض المنظمات  بتنظيم حملة لتنظيف الشوارع وجمع القمامة وحملات  للتبرع بالدم ومبادرات  لتنظيم المرور فى الشوارع والميادين وحفظ الأمن من خلال  لجان شعبية.

ومن أهـم المنظمات المدنية التي كان لها دور بارز في هذه الأحداث جمعية رسالة للأعمال الخيرية التي تعاطت إيجابيا مع بعض المشكلات المجتمعية التي ظهرت بعد الثورة ومن أمثلتها مشكلة قرية صول التي شهدت توترا طائفيا نتيجة هدم احد الكنائس بالقرية حيث  سيرت الجمعية قافلة مساعدات تحت شعار مسلم ومسيحي.. يد واحدة لتوزيع 300 شنطة من المواد الغذائية لنشر روح التسامح كما تمت إقامة معارض خيرية للملابس إلى جانب قيام المتطوعين بتنظيف الشوارع وتنظيم ندوة دينية عن التسامح الديني.

كما اهتمت بعض المنظمات بقضية الشهداء والمصابين مثل جمعية الأورمان الخيرية التي  أطلقت حملة موسعة تستهدف رعاية أسر الشهداء ومصابيها وأسرهـم تتضمن ثلاثة محاور أساسية أولها محور عاجل لعلاج مصابي الثورة بالمجان وخاصة مصابى العيون وثانيها حملة لرعاية أسر الشهداء من خلال 20 رحلة عمرة لأمهات الشهداء وثالثها تقديم مساعدات عينية وتوزيع 300 طن لحوم و 20 ألف بطانية و20 طناً من المواد الغذائية للمتضررين.
وهناك منظمات ساهـمت في حملات توعية لإنقاذ بعض الأنشطة الاقتصادية التي أضيرت من الثورة ومن ذلك ما قامت به  جمعية بناة الغد التي نظمت  فعاليات حملة أهلية لتنشيط السياحة الداخلية لإعادة السياحة إلى مكانتها ودورها المؤثر فى الاقتصاد المصري.

ثالثا :- التوعية ومراقبة الانتخابات البرلمانية

شهدت مصر أول انتخابات حرة بعد ثورة 25 يناير 2011 ، وتكتسب هذه الانتخابات أهـمية كبيرة لأنها ستأتي بالهيئة التشريعية التي ستضع  دستور مصر الجديد ، كما إن هذه الهيئة ستقود عملية التحول الديمقراطي في مصر خلال السنوات القادمة .

لذا فقد حرصت المنظمات الحقوقية المصرية على تكثيف جهودها في مجال التوعية بالنظام الانتخابي الجديد الذي ستجرى على أساسه الانتخابات  وهو النظام المختلط ما بين القائمة النسبية المغلقة والفردي ، كما حرصت الكثير من هذه المنظمات على تنظيم جهودها من اجل مراقبة الانتخابات البرلمانية للتأكد من نزاهتها وضمانات مشاركة أوسع للمواطنين فيها .

ووفقا لبيانات المجلس القومي لحقوق الإنسان فقد بلغ عدد منظمات المجتمع المدنى التي تقدمت بطلب للحصول على تصاريح لمراقبة الانتخابات البرلمانية  128 جمعية ومنظمة مدنية .

ج– المنظمات المدنية وتوظيف تقنيات الإعلام الإلكتروني في الدعوة للإصلاح السياسي

أولا :- منظمات المجتمع المدني والإعلام

يؤدي المجتمع المدني دورا مهـما وكبيرا في خلق مجتمع المعرفة ،وهناك ارتباط وعلاقة جدلية مهـمة بينهـما ، اذ ان منظمات المجتمع المدني تعمل في مجال نشر وتنمية حقوق الإنسان ، وأصبحت هذه المنظمات هي الكيان المدافع عنها ، وتلعب دورا مهـما في التأثير على الرأي العام والوعي الاجتماعي والدعوة لأفكار المساواة والتعددية الثقافية والسياسية ،واحترام قيم حقوق الإنسان ، زيادة على ذلك فان منظمات المجتمع المدني تعمل في ميادين مهـمة أخرى ، تشكل مناخا ملائما لنمو المعرفة والمعلوماتية ، كالإعلام والاتصال وتكنولوجيا المعلومات ، وبالتالي فان دورها مؤثر وفعال في تحقيق التنمية ، وربط المواطن بقضاياها ، يضاف إلى ذلك، ان تعاون منظمات المجتمع المدني مع المنظمات الشعبية كالاتحادات والنقابات والجمعيات والمنظمات المهنية ، وما يتمتع به من قدرة في حشد القوى الشعبية تجعله يدفع نحو دور كبير في خلق مجتمع المعرفة .

يشترك كل من المجتمع المدني ومجتمع المعرفة في إنهـما اصبحتا مفردة مهـمة من مفردات السياسة العالمية الجديدة ، وان كل منهـما يهدف إلى تحقيق التنمية في المجتمع بكل مجالاته ، والمجتمع المدني يهدف الى تحقيق التنمية الشاملة من خلال الاستفادة من الإمكانيات والقدرات التي وفرها مجتمع المعرفة ، وبالتالي فان هدف التنمية إلي تنشده منظمات المجتمع المدني من خلال بناء مجتمع المعلومات واستخدام التكنولوجيا ، ومن خلال جمله من الفعاليات والأنشطة التي تسرع عملية التنمية ، ولكن هناك معوقات تقف أمام الترابط والتكامل في العلاقة منها ضعف البنية المعلوماتية لمنظمات المجتمع المدني وعدم امتلاكها لرؤية موحدة وواضحة لمجتمع المعرفة ( قنديل 2007)

وتهتم منظمات المجتمع المدنى بالإعلام والاتصال منذ أكثر من  30 سنة والذي كان احد مواضيع لجنة اليونسكو المختصة المكلفة عام 1977 ببحث القضايا المطروحة على الساحة آنذاك وتم استنباط معالم العولمة الاقتصادية وانعكاساتها والعلاقة بالنظام الإعلامي العالمي ومنها تم التوصل لمجموعة استنتاجات بهدف بناء المجتمع الإعلامي الجديد وعلاقة هذا بمنظمات المجتمع المدنى. وكان من مظاهر تلك العلاقة مشاركة وسائل الإعلام في التنمية وتدعيم السلم والتفاهـم الدولي وتجنب العنف والعنصرية والحروب ( قنديل 2007 )

ثانيا :- الإعلام الإلكتروني كأداة للمناصرة 

في نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات كانت بداية ما يسمى بـ الجيل الثالث لـ منظمات المجتمع المدني وهي المنظمات الحقوقية إذ كان عمل الجيل الأول يشمل ثلاثة مجالات هي: العمل الخيري الإغاثي، ومجالي عمل منظمات المجتمع المدني التقليدية وهـما المجال المطلبي في حالة النقابات والمصلحي المرتبط بـ خدمة مصالح الأعضاء في منظمات العون الذاتي القاعدي كـالتعاونيات .
وجاء الجيل الثاني لـ يشمل العمل التنموي ومشاريع التنمية الاقتصادية مثل مشاريع إدرار الدخل للـفقراء أما الجيل الثالث فقد جاء بـتحول نوعي في عمل اعداد كبيرة من منظمات المجتمع المدني وذلك بـ التوجه لــمجال حقوق الإنسان والتغيير المجتمعي الهيكلي البنيوي والكشف عن الأسباب الجذرية لـانتهاكات حقوق الإنسان والهياكل التي تنتج الفقر والإفقار والتهـميش والإقصاء والإخضاع بـكل أنواعه والسعي لـ إزالة هذه الأسباب الجذرية المرتبطة بـهياكل السلطة والثروة

لـتحقيق أهداف ومبادئ ومضامين منظمات المجتمع المدني سابقة الذكر وتطبيقها  على أرض الواقع ابتدعت هذه المنظمات وسائل وأدوات وآليات صارت مفاهيمها ومصطلحاها جزءاً ثابتاً ومهـماً من قاموس المجتمع المدني وقاموس العمل العام كـالمناصرة advocacy  والتشبيك networking والتخطيط الاستراتيجي  strategic planning ( بلال 2006)

تعنى المناصرة في السياسة والتنمية  كسب التأييد والحشد لقضية سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية أو لـ قضية فئة اجتماعية بـهدف إحداث تغيير في واقع هذه الفئة وقضاياها ومشاكلها

وفي الوقت الحالي تعد وسائل الإعلام الإلكتروني أحد أهـم وأكثر وسائل المناصرة والحشد فاعلية  ، ففي ثورات الربيع العربي استخدم المتظاهرون والناشطون الشباب شبكات الإعلام الاجتماعي لنشر المعلومات بسرعة لم يسبق لها مثيل. وقام المواطنون والمراسلون باستخدام هذه الأدوات ناقلين الأحداث لحظة بلحظة، محدثين تحوّلاً جذرياً في الصحافة التقليدية

ثالثا :- منظمات المجتمع المدني المصرية وتوظيفها للإعلام الإلكتروني

توسعت منظمات المجتمع المدني المصرية في استخدامها لوسائط الإعلام الإلكتروني في عمليات الحشد والمناصرة والدعوة وكسب التأييد للقضايا الحقوقية التي تعمل عليها ، ولم تقف هذه الاستخدامات عند حد إنشاء المواقع الإلكترونية التقليدية ولكنها استفادت بشكل موسع من تطبيقات الانترنت وهو مكنها من  على التواصل مع الفئات المؤثرة الصانعة والمشاركة في ثورة 25 يناير ، ويمكننا أن نرصد أهـم ملامح ذلك فيما يلي :-

  • إنشاء وإدارة حسابات ومجموعات وصفحات على المواقع الاجتماعية وبالتحديد تويتر ، وفيس بوك ، فالغالبية العظمى من منظمات المجتمع المدني الحقوقية والتنموية تمتلك مثل هذه الحسابات وتديرها بفاعلية ، كما أن كثير من المنظمات دشنت صفحات ومجموعات خاصة لحملات معينة كالتوعية الانتخابية ، مناهضة المحاكمات العسكرية ، الحشد لتغيير الأطر التشريعية المخالفة لمعايير حقوق الإنسان …….. الخ .
  • إنشاء إذاعات إلكترونية على شبكة الانترنت ، فهناك أربعة إذاعات على الأقل مملوكة لمؤسسات مدنية حقوقية وهي راديو حقوق ، راديو حريتنا ، راديو ماعت ، راديو المحروسة .
  • إنشاء الشبكات المعلوماتية المعنية بقضايا حقوق الإنسان ، ومن أهـم المبادرات النشطة في هذا الميدان الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان ، شبكة مدنية ( المؤسسة العربية لدعم المجتمع المدني ، مركز دعم لتقنية المعلومات .
  • توظيف تكنولوجيا المعلومات في عمليات مراقبة الانتخابات ، ومن أهـم المبادرات في هذا الشأن استخدام نظم المعلومات الجغرافية في مراقبة الانتخابات ( الجمعية المصرية لدعم التطور   الديمقراطي ) ، استخدام  تقنية الرسائل القصيرة في مراقبة الانتخابات ( المجلس القومي لحقوق الإنسان) .

المحور الثالث :- دور المجتمع المدني في إعادة بناء النظام الجديد – تصور مستقبلي

  • :- المجتمع المدني في مواجهة التحديات:
  • إعادة التوازن السياسي

ثورة 25 يناير 2011 أسقطت نظاما سياسيا ظل يحكم مصر  لمدة تزيد عن أربعة عقود ، تم خلالها محاصرة وتدجين كافة القوى السياسية الشرعية الأخرى وتهـميش وإضعاف القوى السياسية الفاعلة والمؤثرة في الشارع المصري ، كما شهدت هذه العقود الأربعة إبعادا متعمدا للغالبية العظمى من المصريين  عن المشاركة الحقيقية في إدارة الشأن العام .

ولنجاح عملية التحول الديمقراطي من المهـم إعادة التوازن السياسي إلى الساحة المصرية مرة أخرى ، وفي هذا الشأن يقع على عاتق منظمات المجتمع المدني مهـمة في غاية الخطورة والحيوية ، ويمكن لهذه المنظمات ان تؤدي هذا الدور من خلال تعزيز أنشطتها في المجالات التالية :-

التنشئة السياسية

تعتبر مؤسسات المجتمع المدني مدارس للتنشئة السياسية على الديمقراطية, وتلعب دوراً بارزاً في تدريب أعضائها على الفنون والمهارات اللازمة للممارسة الديمقراطية في المجتمع الأكبر. ويمكن للمنظمات المدنية أن تقوم بذلك من خلال آليتين ، أولهـما  قواعد عملها الداخلية التي يفترض أن تكون مشابهه لقواعد الديمقراطية في المجتمع ككل حيث الحقوق والواجبات والمشاركة في الانتخابات, وقبول النتائج, والتعبير عن الرأي, والاستماع إلى الرأي الأخر, والتصويت على القرارات, وكلها قواعد ضرورية للممارسة الديمقراطية يتعلمها العضو من المؤسسة التي ينتمي إليها .

والآلية الثانية تتمثل في تنفيذ المنظمات لأنشطة توعوية وتدريبية تستهدف فئات مختلفة من المجتمع المحيط بما يخلق أجيالا مثقفة سياسيا ومؤهلة للمشاركة السياسية الإيجابية في المجتمع .

ضبط عملية الممارسة الديمقراطية .

إلى جانب السلطات القضائية والتشريعية والتنفيذية  تقوم مؤسسات المجتمع المدني بتحديد وضبط واحتواء بعض التجاوزات التي يمكن أن تبرز من العملية الديمقراطية. حيث هناك العديد من الأمثلة على تجارب ديمقراطية (انتخابية) تحولت إلى  الفوضى, وحتى إلى حروب أهلية نتيجة لغياب رقابة المجتمع المدني وسلطة القانون.

فالمنظمات المدنية تعد رقيبا مستقلا ومحايدا على آليات الممارسة الديمقراطية ويمكنها أن تطلق جرس الإنذار عندما ترى هذه العملية قد حادت عن مسارها أو شهد تغولا من الأكثرية على حريات وحقوق الأقلية ، ومن أكثر المنظمات التي يمكنها لعب دور محوري في هذه العملية هي المنظمات الحقوقية بحكم أن مرجعيتها الأساسية هي الصكوك الدولية لحقوق الإنسان وفي القلب منها الحقوق المدنية والسياسية .

كما  تلعب مؤسسات المجتمع المدني دوراً بارزاً في اثناء العملية الديمقراطية وتحافظ على تنوعها وتحد من نفوذ وتأثير الحركات الشعبوية التي تستغل مشاعر السكان البسطاء وخصوصاً المشاعر العرقية والدينية لأهداف انتخابية.

ولطابع مؤسسات المجتمع المدني المبنية على أسس غير طائفية أو دينية أو عرقية أثر فعال في تطوير روح التسامح وتقبل الأخر والابتعاد عن التعصب الديني والقبلي, وتلعب دوراً تثقيفياً كبيراً لأعضائها وغيرهـم وتمنحهـم القدرة على تحديد موقفهـم الانتخابي على أسس ديمقراطية بعيدة عن روح التعصب. وتساهـم مؤسسات المجتمع المدني بالمحافظة على التعددية السياسية والثقافية, وتجعل من الصعب على أي حزب أو جهة سياسية احتكار الساحة السياسية وفرض برامجها وتوجهاتها, وتحد من احتمالات فوز بعض الأحزاب بأغلبية شاسعة, وما يترتب عن ذلك من مخاطر محتملة.

 حماية الحق في حرية التنظيم السياسي

في نوفمبر 1976 تحول النظام السياسي المصري من صيغة التنظيم السياسي الوحيد إلى صيغة التعددية الحزبية .. وخلال السنوات التالية لهذا  التحول وحتى ثورة يناير 2011  ثبت أن هذه الصيغة لا تتعدى أن تكون تعددية حزبية مقيدة أو أنها نظاما للحزب الواحد في قالب تعددي حيث كانت  هناك قيودا سياسية وقانونية يفرضها قانون الأحزاب ولجنة شئون الأحزاب على تكوين الأحزاب والجمعيات المهتمة بالسياسة كما كانت  هناك قيودا سياسية وقانونية على حرية حركة الأحزاب وعلى حرية الصحف الناطقة باسمها.

وبعد ثورة 25 يناير 2011 صدرت تعديلات على قانون الأحزاب السياسية أفضت على زيادة غير مسبوقة في عدد الأحزاب وإقبال متنامي على تكوين والانضمام إلى الأحزاب السياسية ، حتى وصلت عدد الأحزاب السياسية إلى الآن قرابة ال50 حزب سياسي .

ويجب أن تلعب المنظمات المدنية دورا فاعلا في الحفاظ على وحماية الحق في التنظيم السياسي وتكوين الأحزاب والانضمام إليها  باعتبار أن الأحزاب هي الوعاء الجامع لتنظيم الممارسة السياسية والمستوعب للمشاركة السياسية الإيجابية  ، ومن أهـم ما يمكن أن تقوم به المنظمات المدنية في هذا الشأن ما يلي :-

  • رصد حالة الممارسة الحزبية وكشف الانتهاكات للرأي العام وصناع القرار .
  • مساعدة ضحايا انتهاكات الحق في حرية التنظيم .
  • تدريب كوادر المؤسسات الحزبية على آليات الممارسة السياسية الإيجابية .

الحفاظ على وحدة المجتمع

لعل هاجس الوحدة الوطنية هي الهاجس الرئيسى الذي يشغل السياسيين والاجتماعيين، وصناع القرار السياسي والسلطة التنفيذية والتشريعية في الوقت الراهن. فالوحدة الوطنية كما يعتبرها الجميع هي الخط الأحمر الذي لا يسمح لأحد أن ينال منها، وهي الهدف الرئيس الذي تتجمع من خلاله كافة الفئات والشرائح الاجتماعية داخل المجتمع لتحقيقه. فهي الشعار الذي يرفعه الجميع دون استثناء، وهي المقولة التي لا يقبل أي طرف من الأطراف أو أي من الفئات أن تشعر بأنها تسعى بصورة مقصودة أو غير مقصودة في هدمها، أو شق جدرانها المبنية عليها، أو زعزعة بناءها.

ويلعب المجتمع المدني دورا محوريا في قضية الوحدة الوطنية ، حيث يشير سعد الدين إبراهيم إلى أن المجتمع المدني الذي يلتزم بمجموعة من القيم والمعايير المرتبطة ” بالاحترام والتراخي والتسامح والإدارة السليمة للتنوع والاختلاف ” إلى أنه ـ أي المجتمع المدني ـ يرتكز على ثلاثة أركان رئيسية أساسية ، المتمثلة في الإرادة الحرة لأفراده ، والتنظيم الجماعي المبني على شروط التراضي ، بالإضافة إلى أن ” للمجتمع المدني ركن أخلاقي ، وسلوكي ، ينطوي على قبول الاختلاف والتنوع بين الذات والآخرين ، وعلى حق الآخرين في أن يكونوا منظمات تحقق وتدافع عن مصالحها المادية والمعنوية ، والالتزام بإدارة الاختلاف داخل وبين منظمات المجتمع المدني بعضها البعض ، وبينها وبين الدولة بالوسائل السليمة المتحضرة ، أي بقيم المجتمع المدني وضوابطه المعيارية ، وهي قيم الاحترام ، والتسامح ، والتعاون ، والتنافس ، والصراع السلمي ( إبراهيم ، 2000)

وفي مصر هناك عدد من المشكلات المجتمعية المتعلقة بالوحدة الوطنية التي طفت على السطح بعد ثورة 25 يناير 2011 ، ومن أهـم هذه المشكلات أزمة التوتر الطائفي ، مطالب أبناء النوبة ، مطالب البدو وسكان سيناء .ويمكن لمنظمات المجتمع المدني أن تلعب دورا مهـما لمواجهة مثل هذه المشكلات التي تهدد وحدة المجتمع  كالتالي :-

  • العمل على نشر ثقافة التسامح وقبول الآخر واحترام مبدأ المواطنة من خلال توعية النشء والشباب وتنفيذ البرامج التدريبية واللقاءات المشتركة على كل المستويات
  • تصحيح الفهـم الخاطئ لبعض النصوص الدينية الذي يدفع للتعصب وكراهية الآخر من خلال التدخل المباشر مع رجال الدين
  • الدعوة وكسب التأييد لتنقية مناهج التعليم والمحتوى الإعلامي من كل ما يدعو للكراهية  ونبذ الآخر المختلف دينيا وعرقيا وقبليا
  • تنمية روح العمل التنموي الجماعي والتطوعي في المجتمعات المحلية
  • المساهـمة في تحسين المستويات المعيشية والقضاء على الفقر الذي ينتج ثقافة التعصب والكراهية والعنف

 

  • تحقيق التنمية (مواجهة التحديات الاجتماعية والاقتصادية)

انخفاض معدل التنمية وزيادة نسبة الفقراء كانت من أهـم أسباب قيام ثورة 25 يناير 2011 التي جعلت شعارها ” عيش وحرية وكرامة إنسانية ”

تعد مصر واحدة من الدول العربية الأكثر معاناة من الفقر. ورغم تباين التقديرات الرسمية وغير الرسمية بشأن نسبتها، إلا أنها تبقى مرتفعة بشكل ملحوظ وتتركز في الأرياف أكثر من الحضر،  فتشير تقديرات المجالس القومية المتخصصة في مصر إلى أن 46% من المصريين -خاصة منهـم النساء والأطفال- لا يحصلون على الطعام الكافي ويعانون من سوء التغذية.وتفيد التقديرات المنشورة عام 2009 إلى أن 35% من النساء و53% من الأطفال في مصر لا يحصلون على الطعام اللازم مما يشكل خطورة على هاتين الفئتين اللتين تعدان الأكثر هشاشة. ( الجزيرة ، 2011 )

وتتفاوت نسبة الفقر ما بين المحافظات الحضرية (6.6%) والمناطق الريفية (41.4%). ووفقًا لأحدث تقرير عن “خريطة الفقر” التي أصدرتها وزارة التنمية الاقتصادية فقد بلغ عدد القرى الأكثر فقرًا 1141 قرية.ويبين أحدث تقرير صادر عن التنمية البشرية بالوطن العربي لعام 2010 أن نسبة الفقر في مصر – التي يقارب سكانها ثمانين مليونا- تبلغ 41%.

ويتبين من خريطة الفقر التي تضمنها التقرير أن أكثر من مليون أسرة فقيرة تعيش في الألف قرية الأكثر فقرًا، ويبلغ إجمالي عدد سكانها خمسة ملايين نسمة يمثلون 46% من إجمالي سكان هذه القرى،  وأوضح أن نسبة الفقراء في هذه القرى نحو 54% من إجمالي سكان الريف الفقراء في مصر، ونحو 42% من إجمالي السكان في الجمهورية مشيرا إلى أن ثلاث محافظات بالوجه القبلي (أسيوط والمنيا وسوهاج) تضم 794 قرية يشكل فيها الفقراء 82% من إجمالي عدد الفقراء بالألف قرية الأكثر فقرًا. ( الجزيرة ، 2011 )

ويوضح التقرير أن نسبة غير المتعلمين بالفئة العمرية (18–29 سنة) تصل إلى 27%، مبينا أن أكثر من 20% من الأطفال يعانون من العديد من أوجه الحرمان، وفق دراسة لليونيسيف عن “فقر الأطفال والتفاوت في مستويات معيشتهـم عام 2010  ،  وأشار التقرير إلى أن حوالي 20% من السكان ضمن الفئات الفقيرة التي تعاني من صعوبة في الالتحاق بالمدارس، وأن الشباب الفقير يلتحق بأي وظيفة متاحة، سواء كانت مؤقتة أو موسمية  كمخرج من الفقر. ( الجزيرة ، 2011 )

لذا فإن منظمات المجتمع المدني مطالبة بأن تلعب دورا محوريا في قضية القضاء على الفقر ومساعدة المواطنين المصريين على الارتقاء بمستويات معيشتهـم وتحسين جودة الخدمات العامة المقدمة إليهـم ، ومن أهـم المحاور التي يمكن العمل عليها في هذا الإطار ما يلي :-

أولا :- التوسع في تقديم التمويل متناهي الصغر

الجمعيات الأهلية العاملة فى مجال التمويل متناهى الصغر تعمل على مساعدة قطاع عريض من المجتمع للتغلب على الفقر عن طريق مساعدتهـم فى الوصول الى تمويل لمشاريعهـم الانتاجيه من خلال قروض صغيره يتم تسديدها على فترات قصيرة وملائمة لنمط حياة الفقراء العاملين. وتستهدف مؤسسات التمويل متناهى الصغر الطبقة العاملة من الفقراء المعوزين مما يساعد على سد فجوة تمويلية ناشئة عن اتجاه البنوك التجارية للتعامل مع الطبقات غير الفقيرة.

ويمكن لهذه الجمعيات ان تتعاون مع البنوك والجهات المانحة ومؤسسات التمويل الاجتماعي الدولية والمحلية في تقديم هذه القروض مستفيدة من تمركزها على المستوى المحلي بشكل يساعدها على متابعة هذه القروض وتقديم الدعم والمشورة للمقترضين بالشكل الذي يؤدي لتعظيم الفائدة منه

وما يساعد على نجاح المنظمات المدنية المصرية في هذا الشأن  كون الإقراض متناهي الصغر أصبح  توجهاً دولياً سائداً حيث درجت المنظمات والمؤسسات العاملة في مجال التنمية تضمينه سياساتها وبرامجها ، نظراً لما ثبت عن هذا التوجه من كونه الأداة الأقوى والأكثر فاعلية لمكافحة الفقر وتحقيق الهدف الذي حددته قمة الإقراض بالوصول إلى مائة مليون من أشد الأسر فقراً في العالم بحلول العام 2005م وتخفيض نسبة الفقر إلى 50% بحلول العام 2015م ، إسهاماً في بلوغ الأهداف الإنمائية للألفية الثالثة.

ولعل إعلان الأمم المتحدة العام 2005م سنة دولية للإقراض متناهي الصغر ، يأتي تأكيداً لأهـمية هذه الآلية ودورها الحيوي في تجفيف منابع الفقر . كما أن من أصدق الدلائل على جدوى الإقراض متناهي الصغر على المستوى الدولي ، إنشاء العديد من قطاعات التمويل بهدف الوصول إلى ملايين الفقراء على مستوى العالم، ونجاحها في تزويدهـم بالخدمات المالية والتخفيف من حدة الفقر بينهـم ، وبصورة خاصة بعد أن أثبتت التجارب أن شريحة أفقر الفقراء لها القدرة على استخدام خدمات الإئتمان بتكلفة مالية محدودة ، مدحضة بالتالي القناعات السائدة عن عجز تلك الفئة من الاستفادة من خدمات الإقراض ، وارتفاع تكلفة تقديم الخدمات المالية إليها .

 ثانيا :- التوسع في تقديم الخدمات الاجتماعية ( التعليم – الصحة)

مستوى الخدمات الصحية والتعليمية من أهـم محددات التنمية في المجتمع ، لذا يجب أن تهتم المؤسسات الأهلية بالمساهـمة الفعالة في تقديم الخدمات التعليمية والصحية من خلال التوسع في مجهودات محو الأمية واستيعاب المتسربين من التعليم الرسمي  وتحسين حالة المدارس وتجهيزاتها ، فضلا عن إنشاء وغدارة المدارس والجامعات الأهلية .

ومن النقاط الجيدة التي يمكن البناء عليها في هذا الصدد أن هناك اهتمام متنامي من الجمعيات الأهلية بالعمل في النواحي التعليمية خلال السنوات العشر الماضية   ، حيث أن هناك الكثير من   الجمعيات تهتم بمكافحة الأمية و تدير فصول لمحو الأمية خاصة في المناطق الريفية ، وتركز هذه الفصول على الشابات الأميات ممن تسربن من التعليم النظامي في سنوات سابقة    ، كما إن هناك شراكات بين وزارة التربية والتعليم وبعض الجمعيات الأهلية فيما يتعلق بتطوير المدارس ومكافحة ظاهرة التسرب منها ، وتشير  آخر البيانات المتاحة إلى أن  شبكة الجمعيات الأهلية المتعاونة مع وزارة التربية والتعليم بلغت  619 منظمة ، حيث  نفذت بالقاهرة والمحافظات 1212 مشروعًا تهدف إلى خدمة العملية التعليمية على مدار الفترة من 1999 حتى 1/5/2005، بحجم تمويل إجمالي يقترب من مائة مليون  جنيه مصري، استفاد من هذه المشروعات  حوالي مليون وتسعمائة ألف  تلميذًا بمدارس الجمهورية وفى المراحل التعليمية المختلفة   ( وزارة التربية والتعليم ، 2010 ) .

وبالنسبة لتقديم الخدمات الصحية فإن الجمعيات الأهلية المصرية يمكنها البناء على تجارب سابقة أثبتت نجاحا خلال السنوات العشر الماضية  ، فقد كشفت  استمارات فروع المجلس القومي للمرأة التي تمثل الدليل الاسترشادي لتنفيذ الأهداف الإنمائية للألفية  ، عن أن الجمعيات الأهلية التي تقدم الخدمة الصحية ، تأتي في أغلب الأحوال في المرتبة الثانية بعد الجهات الحكومية . ويفسر ذلك انتشارها الواسع وسط القواعد الشعبية ، وتقديمها خدمة صحية بنوعية عالية ، وإن مقابل الخدمة الصحية إن وجد ، يغطي فقط تكلفة الخدمة . هذا ولم تتوافر بيانات شاملة عن إعداد المستفيدين من الخدمات الصحية عامة والصحة الإنجابية خاصة ، إلا أن البيانات المتوافرة في المسح الصحي الشامل تشير إلى أنه لا يقل عدد المستفيدين من الخدمات الصحية للجمعيات عن 16% من إجمالي طالبي الخدمة الصحية ، وهو مايشير إلى عدة ملايين

ويمكن للمنظمات الاهلية في سبيل توسعها في هذه الخدمات أن توظف ميل المصريين – كأفراد –  إلى تقديم تبرعات لإنفاقها  في الأعمال الخيرية المختلفة  ،  وقد أشار تقرير حديث صادر عن مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء المصري إلى أن أعداد الأسر المصرية التي شاركت بأموالها ومجهوداتها في أعمال. الخير بلغ نحو 15.8 مليون أسرة خلال عام 2009، بنسبة 86.7% من إجمالي أسر الجمهورية. وقد بلغ تقدير إجمالي ما تنفقه هذه الأسر على العطاء الخيري نحو 4.5 مليار جنيه سنوياً، وهناك 45.5% مِن الأسر المصرية التي تقوم بأعمال خيرية يدفعون صدقات أو مساعدات أو هبات، بينما 21.6% يقومون بدفع تبرعات, وقد بلغ تقدير إجمالي حجم التبرعات والصدقات نحو 2.5 مليار جنيهاً سنوياً. بينما بلغ متوسط ما تنفقه الأسرة على التبرعات والصدقات سنويا نحو 271 جنيهاً, وتصل إلى 343 جنيه في الحضر, وتنخفض لتصل إلى نحو 195 جنيه في الريف ( مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء ، 2010 ) .


ثالثا :- حشد وتعبئة جهود المجتمعات المحلية لتنفيذ مشروعات البنية الأساسية

تعد منظمات المجتمع المدني في المجتمعات المحلية  من الركائز الأساسية فى إطار منظومة التنمية الشاملة والمستدامة التي تعمل على الارتقاء والنهوض بالمجتمع المحلي  سياسياً واجتماعيا ًواقتصادياًُ وصحياً وثقافياً وذلك من خلال تنمية الإمكانيات المحلية وحشد وتعبئة الطاقات البشرية والمادية لتحسين أوضاع المجتمع المحلي  . 

ومن المهـم أن تركز المنظمات الأهلية المحلية على تعبئة الجهود المحلية لتنفيذ مشروعات البنية الأساسية ( المياه – الصرف الصحي – الكهرباء – تمهيد الطرق .. الخ ) نظرا لما تتطلبه هذه المشروعات من تكاليف مرتفعة لا تنجح الحكومات وحدها في الوفاء الكامل بها  ويتطلب الأمر مساهـمات فعالة من المجتمع المحلي ،  ونظرا لحاجة هذه المساهـمات إلى تنظيم واطر مؤسسية تستوعبها فإن المنظمات الأهلية المحلية تستطيع توفير هذه الأطر المؤسسية .

الإشكاليات المؤسسية والتنظيمية ( التحديات )

رغم أهـمية الدور الذي يجب أن تلعبه منظمات المجتمع المدني في مواجهة التحديات السابقة ، ورغم بروز المنظمات المدنية  في الخطاب السياسي والأكاديمي والإعلامي في الداخل والخارج ، ورغم الانتشار والازدهار الذي شهدته تنظيمات المجتمع المدني المصري  في العقود الأخيرة ممثلاً في ازدياد أعداد الجمعيات والمؤسسات المسجلة واتساع نطاق نشاطها، تعاني هذه التنظيمات المدنية في مجملها من العديد من القيود والتحديات التي تحد من دورها، والتي يمكن تلخيصها في مجموعتين ( السمالوطي ، 2011 ) :

المجموعة الأولى: القيود الخارجية.

أبرز هذه القيود الخارجية ما يتعلق بمساحة الحريات السياسية والعامة المتاحة ، حيث تظل، رغم التطورات الإيجابية التالية لثورة 25 يناير 2011  التي شهدتها البلاد محدودة مقارنة بكثير من دول العالم الأخرى. فسلطة الدولة مازالت مطلقة وغير خاضعة للمساءلة أو التداول ، وتستخدم الحكومات أكثر من آلية لضمان سيطرتها على مؤسسات المجتمع المدني.

أولها:

آلية التشريع بما تفرضه من قيود بالنسبة للتسجيل والإشهار، وما تتضمنه من سلطة حل الجمعيات، وتعدد صور الإشراف والرقابة على النشاط، ومن عقوبات مختلفة، بشكل يسمح بحصار النشاط الأهلي وعدم إفلاته من قبضة السلطة.

ثانيها:

الحد من الحريات والحقوق الأساسية لا سيما ما يتعلق بحرية التنظيم وحرية الرأي.

ثالثهـما:

احتكار الإعلام بشكل يقيد من دور الإعلام الحر والمستقل (والذي هو جزء من المجتمع المدني) في نشر قيم الثقافة المدنية من حوار وتسامح وتضامن اجتماعي وتنافس سلمي والتي هي دعائم أساسية في نمو وتطور المجتمع المدني.

وتنعكس هذه القيود، التي تفرضها السلطة، بشكل سلبي على عديد من مظاهر الضعف الداخلي التي تعاني منها منظمات المجتمع المدني سواء في سعيها لتوسيع نطاق عضويتها أو إفراز قيادات جديدة أو تطوير أشكال جديدة للعمل الجماعي.

ومن  هذه القيود الخارجية أيضا ، ما يتعلق بإشكالية التمويل. ويعد مدى توافر التمويل وشروطه واحداً من أهـم محددات نشاط منظمات المجتمع المدني. حيث يتوقف نشاط الغالبية من هذه المنظمات على وجود مصادر تمويل ثابتة تضمن بقاءها واستمرارية أنشطتها ، ويمكن تلخيص هذه الإشكالية في إطارها العام فيما يلي:

  • مشروطية التمويل الأجنبي وحصاره من جانب الدولة.
  • ضعف مستوى التمويل الوطني وتشتت أولوياته.
  • عدم تكافؤ الفرص في الوصول إلى مصادر التمويل.

وهي إشكالية كانت ومازالت قائمة وترتبط بدرجة أو بأخرى بقيود السلطة التي تناولناها فيما سبق. ذلك أن الأنظمة التي تضيق على العمل الأهلي، والحقوقي بشكل خاص على مستوى التشريع والممارسة لا يتصور أن تعمل على توفير الشروط المطلوبة لدعم هذا القطاع.

فالتمويل الأجنبي له شروطه. وهو محاصر بخضوعه لموافقة الحكومات. ومستوى التمويل الوطني لا يفي باحتياجات منظمات المجتمع المدني سواء بسبب ضعف ثقافة العطاء أو الانحياز للعطاء الخيري دون غيره. أضف لذلك أن التشريعات والقوانين الجاري العمل بها لا توفر تشجيع أو تسهيلات كافية للمؤسسات الوطنية المانحة لتقوم بدورها في دعم المنظمات الأهلية. وعلى الجانب الآخر، تشير الممارسات الواقعية إلى تفاوت فرص هذه المنظمات في الوصول إلى مصادر التمويل المناسبة بما نشهده من تدفق المنح والمساعدات على منظمات دون أخرى.

المجموعة الثانية: القيود الداخلية.

بالإضافة لما أشرنا إليه من قيود خارجية، هناك العديد من القيود الداخلية التي لا تقل – بل قد تزيد – أهـمية في التأثير على قدرة منظمات المجتمع المدني على أداء أدوارها المأمولة بفاعلية. وأهـم هذه القيود ما يتعلق بضعف القدرات البشرية والفنية والتنظيمية لهذه المنظمات .. والتي تنعكس فيما يلي:

  • عدم وضوح الرؤية والأهداف.
  • قصور الممارسة الديمقراطية والميل للعمل الفردي.
  • ضعف القدرات التنظيمية وغياب مؤشرات الإدارة الرشيدة، وأهـمها عدم إتباع منهج عملي لتقييم الأعمال وبشكل دوري.
  • الخبرة المحدودة في بناء الشبكات والشراكات الداعمة للعمل الجماعي.

وفي التأكيد على أهـمية وزن التحديات الداخلية، تجدر الإشارة إلى ما كشفت عنه الدراسات الخاصة بقياس فاعلية أداء منظمات المجتمع المدني في عديد من البلاد العربية من نتائج. حيث توصلت إلى أن القدرات البشرية هي العامل الحاسم في فاعلية العمل الأهلي. وأن توافر التمويل وحدة لا يحقق النجاح والفاعلية في غياب قدرات بشرية تملك رؤية واضحة وقدرة على الابتكار والإبداع وإمكانات التخطيط الاستراتيجي وآليات الإدارة الكفء لأنشطة المنظمة.

فإذا كان الهدف هو عطاء عربي أكثر فاعلية، فإن هذه النتائج يجب أن تنعكس على سياسات المؤسسات المانحة فيما يتعلق بإعادة ترتيب أولوياتها بين المنح المخصصة للمشروعات وتلك المخصصة لبرامج بناء القدرات داخل منظمات المجتمع المدني.

القصور التشريعي كاحد أبرز التحديات أمام المنظمات المدنية المصرية

يرى الكثيرون أن منظمات المجمع المدني في  مصر تواجه بعقبات وتحديات  تشريعية وسياسية تحد من استقلاليتها وتنتقص من قدرها على أداء دورها بفاعلية وكفاءة ، حيث أن هناك قطاع  عريض  من الباحثين والمهتمين وأصحاب المصلحة يرون أن القانون 84  لسنة 2002 الحاكم لعمل المنظمات الأهلية غير ملائم ويحتاج لإجراء تعديلات عليه .

وهناك مطالبات متنامية بضرورة ان يراعي القانون الجديد للجمعيات ألأهلية  مجموعة من  المعايير ، أبرزها  أن يتم تكوين الجمعيات عن طريق الإخطار، وضرورة رسم علاقة متوازنة بين جهة الإدارة والجمعيات ترفض الوصاية على العمل الأهلي، وأن يكون القضاء هو الحكم في أي خلاف يقع بين جهة الإدارة والجمعيات الأهلية، كما يجب أن يخلو التشريع من  عقوبات جنائية على النشاط  التطوعي. وان يحرر الجمعيات الأهلية من هيمنة وسيطرة وبيروقراطية موظفي الحكومة وأجهزتها .

ويرى الكثيرون أن القوانين التي تنظم  العمل الأهلي في مصر مشكلتها إنها تأتي  ضمن سلسلة من التشريعات المقيدة لحق تنظيم وتكوين المجتمع المدني، من أحزاب، ونقابات مهنية وعمالية، وروابط واتحادات، ففلسفة المشرع المصري منذ 1952 في إصدار التشريعات والقوانين المنظمة للمجتمع المدني هي فرض جهات تابعة للسلطة التنفيذية للتدخل في شئون المنظمات المدنية، فتصبح لها اليد العليا في السماح لها بالتكوين وتعيق حقها في إدارة شئونها، فوزارة التضامن الاجتماعي في قانون الجمعيات الأهلية تقوم بنفس دور لجنة شئون الأحزاب في قانون الأحزاب السياسية 40 لسنة 1977، واللجنة القضائية في القانون 100 لسنة 1993 للنقابات المهنية، ووزارة الشباب في النوادي الرياضية، وشئون الطلبة في الجامعات المصرية، ووزارة القوى العاملة في النقابات العمالية، فهي جهات إدارة يسمح لها القانون بالتدخل في حالة محاولة مؤسسي تلك المنظمات لتحقيق الاستقلالية لمنظماتهـم، بالإضافة إلى فلسفة المشرع في إحداث فراغ تشريعي في مصر لا يسمح لعدد من الجمعيات السلمية من التنظيم والتكوين وممارسة الأنشطة، إلا بالانطواء للقوانين المنظمة للأحزاب السياسية، أو النقابات العمالية والمهنية، أو الجمعيات الأهلية، فهناك عديد من الأنشطة المدنية السلمية لا تتناسب طبيعتها مع طابع العمل الحزبي أو النقابي أو الأهلي القوانين المنظمة لهـم في مصر،

مثل منظمات حقوق الإنسان، ونوادي القضاة، ونوادي أعضاء هيئات التدريس، وغيرها من الروابط والاتحادات الأخرى، التي تحتاج إلى تشريعات وقوانين تراعي طبيعة نشاطها، ثم نأتي إلى إشكالية عدم احترام السلطة التنفيذية في مصر للقوانين على الرغم من إنها هي التي تساهـم في تفصيلها عن طريق سيطرتها على السلطة التشريعية، فالسلطة التنفيذية في مصر لا تحترم قاعدة تدرج القواعد القانونية والتي تعلو فيها سلطة القوانين على سلطة الإدارة.

وتشير المنظمة المصرية لحقوق الإنسان إلى أن القانون رقم 84 لسنة 2002 حاملاً في جنباته العديد من الإجراءات أو الأدوات التي من شأنها أن تحفظ للجهة الإدارية قدرتها على الإشراف والتدخل في تحديد هامش الحركة الممنوح للجمعيات الأهلية، وهو ما تجلى في تباين وجهتي نظر الجهة الإدارية ونظر الرافضين للقانون حول المادة رقم 42 الخاصة بإعطاء حق حل الجمعيات إلى الجهة الإدارية، والمادة رقم 2 التي تنص على اختصاص القضاء الإداري في نظر منازعات الجمعيات والمؤسسات الأهلية، فبموجب القانون تقوم الجهات الإدارية بالإشراف والتدخل في عمل الجمعيات الأهلية بداية من بحث وفحص مدى توافر شروط تأسيس الجمعية من عدمه والغرض من قيامها وشروط عضويتها وانتخاب مجالس إداراتها وانتهاء بفحص ومراقبة ممارساتها وميزانياتها ومدى التزامها بميدان ومجال نشاطها وكيفية استغلال واستثمار أموالها.

ومن ناحية أخرى، تعبر مواد القانون عن إستراتيجية الدمج الوظيفي التي انتهجتها الدولة منذ أواخر الخمسينيات؛ فالقانون الجديد يشجع ويعطي إعفاءات إلى ما يزيد عن 99% من أعداد الجمعيات ـ البالغ عددها16.600 جمعية ـ وهي الجمعيات العاملة في مجال المساعدات الاجتماعية والتنمية المحلية، أما العدد الباقي من الجمعيات فيتعلق بالجمعيات الدفاعية وخاصة تلك المرتبطة بحقوق الإنسان، فهي لا تحظى بنفس القدر من الاهتمام، فبرغم صعوبة الفصل بين الأداء التنموي من جانب، والممارسة الديمقراطية والأداء السياسي من جانب آخر،

فإن التباين بين أولويات الحكومة ومؤسسات المجتمع المدني ككل، وليس الجمعيات الأهلية فقط، قد فرض العديد من القيود والصعوبات على نشاط بعض أنواع الجمعيات؛ الأمر الذي يمكن تلمسه في غلبة الطابع الخدمي والخيري على دور الجمعيات الأهلية حتى الآن ( المنظمة المصرية لحقوق الإنسان ، 2003)

الخاتمة والتوصيات

ينتظر أن تؤدي منظمات المجتمع المدني المصرية دورا محوريا خلال مرحلة بناء النظام الديمقراطي التي بدأت بعد ثورة 25 يناير 2011 ،  وقد عرضت الورقة الحالية لرؤية استرافية بشان الادوار التي يمكن ان تؤديها هذه المنظمات  مع عرض للإشكاليات والتحديات التنظيمية والتشريعية والمؤسسية التي تعترضها  وتحد من قدرتها على لعب هذا الدور ، لذا فإننا نوصي في نهاية هذه الورقة بمجموعة من الإجراءات الأزمة لتعزيز دور المنظمات المدنية المصرية خلال المرحلة المقبلة ، واهـم هذه التوصيات ما يلي :-

  • إعداد قانون جديد يحكم عمل المنظمات الاهلية في مصر بدلا من القانون 84 لسنة 2002 الذي يقف عائقا امام قدرة هذه المنظمات على ممارسة دورها المجتمعي بحرية وفاعلية .
  • توفير مصادر تمويل وطنية ومحلية للمنظمات الأهلية العاملة في المجالات التنموية والدفاعية على السواء لتعويض  النقص في مصادر التمويل الخارجية .
  • على المنظمات المدنية ان تطور من ادواتها الإدارية وممارساتها الديمقراطية الداخلية وتفسح المجال لقيادات شابة أكثر مهنية وقدرة على العطاء .
  • يجب على المنظمات المدنية المصرية ان تركز خلال المرحلة الانتقالية على القضايا التي يمكن ان تؤثر في سلامة عملية التحول الديمقوقراطي ، مثل التوترات الطائفية ، انخفاض الوعي السياسي ، الأضرار الاقتصادية .
المراجع
  • أماني قنديل ، دور المنظمات الأهلية في تحقيق الأهداف الإنمائية للألفية ، تقرير صادر عن الشبكة العربية للمنظمات الأهلية ، 2005
  • امانى قنديل-سلسلة كتيبات الاعلام والمجتمع المدنى شركاء من اجل التنمية – الشبكة العربية للمنظمات الاهلية والمركز الثقافى البريطانى/2007.
  • سعد الدين إبراهيم . المجتمع المدني والتحول الديمقراطي في مصر . القاهرة : دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع ، 2000
  • أحمد أمين سعدالله،  محمد طالبي،  واقع مكافحة ظاهرة الفقر في العالم العربي والإسلامي من خلال تجربة بنوك الفقراء  برنامج الخليج العربي لدعم منظمات الأمم المتحدة الإنمائية
  • عبد الرحيم أحمد بلال: العمل التطوعى فى السودان، الخرطوم، مايو 2000.
  • د . عبد المنعم السيد  ، دور منظمات المجتمع المدنى فى مصر ، 11 أغسطس 2011
  • موقع الجزيرة الإخباري ، الفقر في مصر ، تقرير إخباري منشور ، 10 مارس 2011
  • مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء ، العمل الخيري للأسرة المصرية ، تقرير منشور ، القاهرة ، 210 .
  • المنظمة المصرية لحقوق الإنسان ، حالة حقوق الإنسان في مصر التقرير السنوي لعام 2003