في ذكرى فض رابعة.. فتش عن السلمية

موقع فيتو للنتائج
قبل عامين من الآن، كانت عملية فض اعتصامات ميداني رابعة العدوية بالقاهرة والنهضة بالجيزة، وهي العملية التي لازالت آثارها قائمة حتى الآن؛ حيث لازالت جماعة الإخوان وأنصارها يتخذون منها “بكائية تاريخية”، ويقيمون على أطلالها “وهم” ثورتهم المنشودة.

وفي المقابل، لازالت الأغلبية من القوى الوطنية التي أسقطت جماعة الإخوان بثورة شعبية في 30 يونيو، ترى في عملية الفض ضرورة فرضتها الظروف وخروج الاعتصامات على نطاق السلمية.

من حيث المبدأ، فالحق في الاعتصام مكفول من وجهة النظر الحقوقية، ولكن بشروط، فالاعتصامات أحد أشكال التجمعات التي اشترطت المنظومة الحقوقية الدولية ضرورة سلميتها لينطبق عليها هذا الوصف، بمعنى أن تكون خالية من المسلحين وغير مقترنة باستخدام أي من أنواع السلاح، ولا تمارس فيها أعمال عنف.

كما أعطت المنظومة الدولية، الحق للدول في تنظيم ممارسة هذا الحق؛ حيث نصت المادة (21) من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، على جواز فرض قيود على ممارسة حق التجمع السلمي طبقًا للقانون، وبهدف صيانة الأمن القومي أو السلامة العامة أو النظام العام أو حماية المصلحة العامة أو الآداب العامة أو حماية حقوق الآخرين وحرياتهم.

وعلى مدى العامين الماضيين، خرجت الكثير من التقارير الحقوقية (من بينها تقرير المجلس القومي لحقوق الإنسان في مصر، وتقرير آخر أصدرته منظمة هيومان رايتس ووتش بعد عام من فض الاعتصامات)، وقد تحدثت هذه التقارير بشكل متفاوت عن مدى سلمية اعتصام رابعة العدوية تحديدا.

لكن الملاحظ في كل هذه التقارير، أنها اعترفت بشكل صريح بأن اعتصام رابعة كان مسلحا، وشهد إطلاق نار من المعتصمين اتجاه الشرطة، كما أثبت تقرير المجلس القومي لحقوق الإنسان، وجود حالات وفيات سابقة لعملية فض الاعتصام، وهو ما يؤكد اتهامات موجهة لقادة الاعتصام بتعذيب مواطنين وقتلهم.

إن ما نتحدث فيه الآن ليس محاولة لإعادة إحياء الماضي، ولا هو تبرير لعملية فض الاعتصام، وبالطبع ليس تبنيا لموقف جماعة الإخوان المسلمين، لكن هو فقط محاولة لوضع الأمور في نصابها، والنصاب الصحيح هنا هو أننا بالمعايير الحقوقية لم نكن إزاء اعتصام سلمي بالمرة، وأن عملية الفض كانت واجبة ولازمة، خاصة أن الاعتصام ذاته أصبح خطرا على سكان المناطق الحيوية المجاورة لمناطق الاعتصامات.

ولو تجاوزنا هذه النقطة، فإنه يتوجب علينا الحديث عن الوجه الآخر من الصورة، وهو المتعلق بأداء السلطات التنفيذية خلال عملية فض الاعتصام، ورغم وجود شهادات وأدلة كافية على أنها لم تسع لإراقة الدماء أثناء عملية الفض، وأمنت ممرا للمعتصمين، إلا أن قدراتها الفنية وخبرتها في فض الاعتصامات لم تسعفها للتعامل بشكل أكثر احترافية مع حماقات ومؤامرات الطرف الآخر، الذي كان على ما يبدو حريصا على الدم، أكثر من حرصه على أرواح أنصاره وأتباعه.

إن الدرس الباقي من عملية فض اعتصام ميداني رابعة العدوية والنهضة، هو ضرورة أن نتبنى نهجا قائما على احترام معايير حقوق الإنسان، خلال التعامل مع الاحتجاجات السلمية.. ونتبنى هنا لا تعود فقط على السلطة الحاكمة، لكنها تعود أيضا على القائمين بالمظاهر الاحتجاجية المشروعة، فكما أن السلطة مطالبة بضبط النفس والتعامل مع الاحتجاجات وفقا للقواعد الدولية، فالمحتجون أنفسهم مطالبون بالتمسك بالسلمية المطلقة، ونبذ أي مظهر عنف، وإلا فقدوا شرعية احتجاجهم من الأساس.

المنظومة الأممية والكيل بمكيالين

أيمن عقيل - Ayman Okeil

في تعاطيها مع الإرهاب كانت سياسة الكيل بمكيالين هي الغالبة على أداء المنظومة الأممية، والخطاب الرسمي الصادر عنها، أو حتى المواقف الصادرة عن غالبية القوى الدولية التي تقدم نفسها بوصفها مدافعة عن حقوق الإنسان.

فعلى مدى أربعة عشر عاما، فصلت بين الحدث الإرهابي الأشهر الذي استهدف برجي التجارة في نيويورك (2001)، وما تتعرض له مصر وبعض دول المنطقة العربية عام 2015، فظهر الوجه الحقيقي القبيح لتلك السياسة القميئة، فبعد 17 يوما فقط من أحداث 11 سبتمبر 2001، اتخذ مجلس الأمن قراره الشهير رقم 1373 الذي تبنى خطابا متشددا إزاء المنظمات والدول التي تدعم الإرهاب.

ومن عجائب القدر، أن القرار المذكور تضمن في مادته الثانية، نصا صريحا يجبر الدول على عدم تقديم أي نوع من الدعم الصريح أو الضمني إلى الأشخاص الضالعين في ارتكاب الجرائم الإرهابية، بل تضمنت نفس المادة أيضا حظرا على الدول أن تقدم ملاذا آمنا لمن يرتكبون أو يمولون أو يدعمون العمليات الإرهابية، وحظرت عليها جعل أراضيها منطلقا لتلك الحزمة المجرمة من الأعمال العدوانية.

الآن وبعد مرور هذه السنوات، وفي ظل وجود هذا القرار الأممي الملزم، نجد المنظومة الدولية تغض الطرف عن دول ترتكب كل تلك الجرائم مجتمعة، فهناك على الأراضي القطرية التي تتخذ الولايات المتحدة منها منطلقا لحربها على الإرهاب ومقرا لأكبر قواعدها العسكرية، يعيش جيش من ممولي وداعمي العمليات الإرهابية التي تحصد أرواح الأبرياء في مصر وليبيا وتونس وسوريا، وعلى الأراضي التركية – حليفة الولايات المتحدة – تتوفر منصات الحرب الإعلامية؛ للتحريض ودعم الجرائم الإرهابية التي ترتكب في مصر.

داعمو وممولو الإرهاب، بل كثير من المرتكبين المباشرين للجرائم الإرهابية، والأبواق الإعلامية التي تبرر لهم إرهابهم، كل هؤلاء يتوفر لهم الملاذ الآمن والمساندة السياسية في قطر وتركيا، في الوقت الذي شنت فيه الولايات المتحدة حربا شرسة على العراق قبل سنوات، استنادا للقرار 1373 الذي يجرم كل تلك التصرفات.

إن المنظومة الأممية تواصل نزيف سمعتها، طالما تركت قراراتها تتحول لمجرد حبر على ورق، وقبلت أن تتهم بممارسة الكيل بمكيالين، واختارت أن “تستأسد” على دول تحوم حولها شكوك بدعم الإرهاب، بينما تنقلب إلى نعامة عندما يتعلق الأمر بدول أخرى تتوفر شواهد كافية وأدلة ساطعة سطوع الشمس على دعمها ومساندتها للإرهاب، وإيوائها للإرهابيين.

لا أحد يجادل في أهمية القرارات الدولية التي تحظى بإجماع واتفاق عام لمواجهة الإرهاب والعنف والتطرف، ولا أحد يجادل في أن احترام حقوق الإنسان يتطلب مواجهة صريحة وحازمة للإرهاب، لكن ما سيظل موضع جدل، بل استهجان أيضا، هو أن تكشر المنظومة الدولية عن أنيابها عندما يكون ضحية الإرهاب أمريكي الجنسية، بينما توزع ابتساماتها على”القاتلين” عندما يكون الضحية عربيا.