رئيس منظمة ماعت للتنمية:مصر الآن تحارب الإرهاب ومن الصعب عليها تحقيق التوازن بين الحريات والأمن

ليس من حق منظمات المجتمع المدني لعب دور المعارضة

رئيس منظمة ماعت للتنمية: مصر الآن تحارب الإرهاب ومن الصعب عليها تحقيق التوازن بين الحريات والأمن

  • هناك دول أسوأ من مصر في انتهاكات حقوق الإنسان ولكن العالم يغض الطرف عنها
  • نتمنى غلق «قضية التمويل الأجنبي» وتقديم المتهمين للمحاكمة حتى يتضح من تورط ومن ظلم
  • مصر ستواجه حرجًا كبيرًا أثناء عرضها لتقرير حالة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة
  • السلطتان التشريعية والتنفيذية لديهما صورة ذهنية خاطئة عن العمل الأهلي
  • ملف “حقوق الإنسان” يتطلب صياغة جديدة

ثلاثة أعوامٍ مضت على حكم الرئيس عبد الفتاح السيسي، انتقادات عدة وجهت من خلال منظمات المجتمع المدني، عن حالة الملف الحقوقي، وما آلت إليه أوضاع الحقوق السياسية والاجتماعية والاقتصادية للمواطن المصري، ومدى التزام الدولة المصرية بتعهداتها الدولية أمام الأمم المتحدة بجنيف.
أيمن عقيل، رئيس مجلس أمناء منظمة ماعت للسلام والتنمية وحقوق الإنسان، يكشف في حوار لـ”فيتو” إلى أي مدى وصل مؤشر حقوق الإنسان خلال فترة حكم «السيسي»، وما حجم الإنجازات والانتهاكات التي لمست الملف الحقوقي والناشطين الفاعلين به.

*ما تقييمك للملف الحقوقي خلال ٣ سنوات من حكم السيسي؟
لا شك أن هناك تدهورًا ملحوظًا في الملف الحقوقي، منذ عام ٢٠١١م ومستمر حتى الآن، وهذا يعود ليس فقط إلى تعاطي الأنظمة ورأس السلطة تحديدًا مع ملف حقوق الإنسان والفاعلين الرئيسين به، وإنما يعود بدوره إلى تعامل المجتمع مع حقوق الإنسان، لا سيما أن انتهاك بعض الجماعات الأصولية المتطرفة لحق الإنسان في الحياة، أصبح عبئا يضاف إلى تعامل الدولة السيئ مع هذا الملف ومن يتبناه، ففي هذه الظروف يصعب الحديث عن حقوق الإنسان، فنحن في شبه حالة حرب، وكل ما نتمناه خلال الفترة المقبلة أن تبني الدولة جسورا من الثقة بينها وبين منظمات المجتمع المدني، باعتبارها شريكًا أساسيا ومكملا لما تخفق في تحقيقه الحكومات.

*برأيك هل طرأ على الملف الحقوقي نوع من التطور خلال فترة حكم السيسي؟
لا.. على مستوى مجال حقوق الإنسان لم يشهد الملف أي تحسن بل ربما زاد تعقيدًا، خاصة أنه يتعلق بقضايا التعذيب وحرية الرأي والتعبير وتداول سلطة وغيره، وكذلك عقب الإجراءات الاستثنائية التي اتخذتها الدولة حيال عدد من منظمات المجتمع المدني التي لها دور بارز في مجال حقوق الإنسان، ما بين منع من السفر ومنع التصرف في الأموال الخاصة، ولكن في المقابل شهدت الحقوق التنموية والاقتصادية تطورًا ملحوظًا، ولا سيما أن الدولة تتبنى خطة واضحة للتنمية، وحتى وإن لم نلمس نتائجها الآن ولكن من المؤكد أنها مستقبلا ستؤتي ثمارها، ربما مع عام ٢٠١٨، خاصة أن هناك أموالا تنفق على تطوير العشوائيات، البنية التحتية للدولة، ساهم فيها بشكل كبير منظمة المجتمع المدني، التي تلقت تمويلا ضخما تحت إشراف حكومي للقيام بدورها على أكمل وجه، يقدر بنحو ٦٥ مليون جنيه خلال عام ٢٠١٦، رغم البيروقراطية الرسمية والعقبات التي تواجهها المنظمات أثناء تنفيذ الأنشطة التنموية والاقتصادية.

*ما العوامل التي أدت إلى تراجع الدور الحقوقي خلال عهد السيسي؟
لا أحد ينكر أن ملف حقوق الإنسان في مصر، يعاني الكثير من الصعوبات والتحديات والعقبات التي تمارسها عليه السلطة خلال الفترة الحالية، وهذا يعود إلى أن السلطتين التشريعية والتنفيذية على حد سواء، لديهما صورة ذهنية خاطئة عن العمل الأهلي، والمؤسف أنها المسيطرة على كافة الإجراءات والقوانين التي تتعلق بمنظمات المجتمع المدني، والتي تجلت في إصدار قانون ٧٠ لسنة ٢٠١٧، الذي أقره البرلمان مؤخرًا بغالبية الأصوات وصدق عليه رئيس الجمهورية، رغم اعتراضات شديدة من الجماعة الحقوقية، والأصعب هو موافقة عدد من النخبة المثقفة المفكرة والمواطنين، الذين ثمنوا تقييد حق منظمات المجتمع المنظمات في حرية التنظيم وتلقى تمويلات خارجية بموافقة رسمية، لتنفيذ أنشطتها في ظل ضعف التمويل المحلي.

* ما الصورة الذهنية الخاطئة لدى السلطتين التنفيذية والتشريعية والتي كانت سببًا في تقييد عمل منظمات المجتمع المدني؟
على مدى سبع سنوات مضت، ونتيجة لما تداولته وسائل الإعلام من أخبار وما كشفته أجهزة الدولة من معلومات، تتعلق بتلقي تمويل أجنبي بالمخالفة القانون، والتحريض ضد مؤسسات الدولة وعرقلتها عن القيام بدورها، وبعض الشائعات التي ترددت عن تورط بعض هذه المنظمات في قضايا عمالة وتخابر مع الخارج، والتي لم تتجاوز الشائعات حتى الآن ولا سيما أنه لا أحد قدم للمحاكمة بشأن هذه الاتهامات، وإن كان جزء منها صحيحا لكنه ليس صحيحا على إطلاقه، إلا أنها تركت انطباعا سلبيا لدى الجهات الرسمية والشارع المصري، أن منظمات المجتمع المدني وجودها سبب رئيسي في خراب المجتمع، وهذا يؤكد مطالباتنا المتكررة بمحاسبة المخطئين وتحويلهم إلى المحاكمة.

*هل الرئيس السيسي قادر على خلق حالة التوازن بين إطلاق الحريات وتحقيق الأمن في ظل محاربة مصر للإرهاب؟
لا.. ففي حقيقة الأمر إنها معادلة صعبة، أعتى الديمقراطيات في العالم، عجزت عن تحقيقها في لحظات مواجهتها للإرهاب، ولكن من المؤكد أن الحلول الأمنية وحدها في هذه الظروف لا تكفي، فنحن في حاجة إلى حوار مجتمعي مع كافة الأطراف وكل التيارات السياسية، وإعادة الثقة بين النظام الحاكم والمعارضة المصرية، نحتاج أيضا إلى محاكمات ناجزة وتعديل في قانون الإجراءات الجنائية، والأهم نحتاج إلى إطلاق الحريات إلى جانب تطبيق القانون.

*على ذكر المعارضة هل يوجد في مصر معارضة حقيقية؟
الأحزاب السياسية هي جزء من المجتمع المدني بمفهومه الواسع، الذي يضم داخل بوتقته أيضا منظمات المجتمع المدني، النقابات، والاتحادات، ولكن منظمات المجتمع المدني فترة ما قبل ٢٠١١ وما بعدها، لعبت دورا أكبر بكثير من دور الأحزاب السياسية، ولا سيما أنها كانت سجينة الشرعية، في إسقاط صريح على تقييدها من خلال مواد قانون الأحزاب، كما أن الحركات الاحتجاجية والشبابية لعبت دورًا أكبر بكثير أيضًا، وكانت تتحرك بحرية في الشارع، وتعقد اجتماعاتها بحرية أكثر من الأحزاب.

*برأيك هل تستطيع منظمات المجتمع المدني القيام بدور المعارضة في ظل غياب الأحزاب؟
كان الخطأ الأكبر، أن منظمات المجتمع المدني، لعبت دور المعارضة، وخلطت بين العمل السياسي والنشاط الحقوقي، وهو سبب رئيسي في الخلاف بين الدولة وهذه المنظمات، ولكن من يقوم بدور المعارضة الحقيقي الآن على الساحة، هو الحركات أو التجمعات الشبابية الاحتجاجية، وكذلك القيادات داخل النقابات المهنية، وفي اعتقادي تحركات المعارضة الفعالة، انطلقت من التحركات النقابية وليست الحزبية.

*هل مصر دولة مؤسسات وما دليلك على ذلك؟
بالطبع، مصر دولة مؤسسات، والشاهد على ذلك وجود السلطات الثلاث “التنفيذية، التشريعية، القضائية” بالإضافة إلى مؤسسة الرئاسة، ولكن المشكلة تكمن في أداء هذه الكيانات، الذي يتسم بالضعف والتناقض، وهو ما أدى إلى حالة الارتباك التي يشهدها الشارع المصري عقب ٢٠١١، على سبيل المثال الدستور المصري أقر ثورتي ٢٥ يناير و٣٠ يونيو، ولكن خطاب مؤسسات الدولة وتعاملها يؤكد عكس ذلك، وبالتالي هناك خلاف بين الدوائر السياسية والنخب والمفكرين والمواطن العادي حول ماهية الثورتين وما إذا كانت ٣٠ يونيو موجة ثورية أم ثورة مستقلة، وهناك من لا يعترف بثورة يناير بالأساس.

*على ضوء ذلك ما هو مدى تأثير قانون ٧٠ لسنة ٢٠١٧ المعروف إعلاميًا بتشريع «القصبي» على صورة مصر في الخارج؟
لا شك أن كل دول العالم تنظم تلقى التمويلات الخارجية لمنظمات المجتمع المدني، وهناك قوانين في بعض البلدان العربية أشد قسوة من هذا القانون، ولكن الأزمة هنا ترجع إلى الظرف التاريخي الذي أقر فيه هذا التشريع، وأما عن صورة مصر الخارجية، فتتحكم فيها الدبلوماسية المصرية، وهذا ما يوضح أن هناك دولا أسوأ من مصر في انتهاكات حقوق الإنسان، ولكن دول العالم تغض الطرف عنها، ويرجع الأمر إلى أن هذه الدول تشكل لوبي دبلوماسيا قويا، ونتمنى أن تنجح الدبلوماسية المصرية التي تعمل باحترافية في الوصول إلى ما وصلت إليه هذه الدول.

*هل تخوفات النظام من المجتمع المدني أثرت سلبًا على تعاون المواطنين مع المنظمات المعنية ؟
بكل تأكيد، ولا سيما القضية الأخيرة المتعلقة بالإفراج عن الناشطة آية حجازى، التي سافرت إلى الولايات المتحدة على متن طائرة عسكرية، وبصحبة وزير الدفاع الأمريكي، وما تلاها من تصريحات «ترامب» الرئيس الأمريكي، الذي أشار إلى أن الإفراج عن «حجازي» لم يستغرق عشرة دقائق، هنا للمواطن كل الحق إذا تخيل أن منظمات المجتمع المدني تدار من مخابرات عالمية ولا سيما الأمريكية.

*ما العقبات التي ستواجه مصر في عرضها النهائي لتقرير الاستعراض الدوري الشامل أمام المجلس الدولي لحقوق الإنسان بجنيف؟
من المؤكد أن الدولة المصرية ستواجه حرجًا كبيرًا أثناء عرضها للتقرير النهائي عن حالة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة في مارس ٢٠١٩، ولا سيما أنها لم تحرز أي تقدم في ملفات شائكة كـ”المجتمع المدني والقانون المنظم لعمله، التعذيب، أحكام الإعدام، حرية الرأي والتعبير، التظاهر، وحرية عمل الصحفيين”، وإلى جانب آخر هناك تقدم إيجابي في بعض الملفات الأخرى.

*وهل هناك ملفات أخرى أحزرت فيها الدولة المصرية تقدمًا ربما يجمل وجهها في الأمم المتحدة؟
نعم، هناك ملفات أخرى من الممكن أن تضاف لمصر، وهي أن هناك لجنة حكومية، شكلت بقرار من رئيس الوزراء لمتابعة تنفيذ التوصيات التي تعهدت بها مصر أمام المجلس الدولي لحقوق الإنسان، ويتواصل معها منظمات المجتمع المدني، وكذلك تفعيل قطاع حقوق الإنسان، وتعديل المادة العاشرة من قانون التظاهر، هذا يعد انتصارا كبيرا، فضلا عن انتهاء ثقافة التستر على المسئولين الفاسدين والمخطئين، ولا سيما ضباط الشرطة، وذلك في حد ذاته نقلة نوعية، في تعاطي مؤسسات الدولة مع حقوق الإنسان، وهو ما شاهدناه في تحويل الضباط المتورطين في قضايا قتل إلى المحاكمة، وعلينا ألا نغفل في هذا الصدد أن مصر أكبر وأول دولة عربية مصدقة على عدد من المعاهدات والاتفاقيات الدولية في مجال حقوق الإنسان.

*ماذا تطلب من الرئيس عبد الفتاح السيسي؟
على الرئيس أن يبذل قصارى جهده مع الحكومة حتى يشعر المصري أنه مواطن في وطن، وليس فردا على أرض، ونتمنى أن يثق الرئيس في منظمات المجتمع المدني كما نثق نحن فيه، وإطلاق عملها مع محاسبة المخطئين، فالحرية المطلقة مفسدة مطلقة، ونتمنى في عام ٢٠١٨ غلق القضية ١٧٣ لسنة ٢٠١١ المعروفة إعلاميًا بـ«قضية التمويل الأجنبي» من خلال تقديم المتهمين للمحاكمة حتى يتضح من تورط ومن ظٌلم.

من وحي زيارة مجلس حقوق الإنسان لسجن العقرب

أثارت زيارة وفد من المجلس القومي لحقوق الإنسان لسجن العقرب، والتقرير الذي أصدره المجلس عن الزيارة عاصفة من ردود الأفعال المتباينة، وهي ردود فعل معظمها يقف على أرضية “سياسية” وليست “حقوقية”، حيث تلقت القوى المنحازة لجماعة الإخوان، أو تلك المعارضة لإجراءات ما بعد 3 يوليو 2013 برفض لكل ما جاء في التقرير، الذي أشار إلى خلو السجن من التعذيب المنهجي، كما أشار إلى عدم صحة الشكاوى التي قام المجلس على أساسها بزيارة السجن.

وفي المقابل تلقت القوى المجتمعية والسياسية المساندة والمؤيدة للسلطة الحالية، والتي ثارت ضد جماعة الإخوان قبل عامين، تقرير الزيارة بترحاب شديد على عكس تقارير أخرى سابقة للمجلس.
وسط كل هذا الضجيج تاهت مجموعة من الحقائق المهمة، وهي حقائق يصعب تجاوزها دون التوقف عندها طويلا واستخلاص دلالاتها ذات المغذى، وربا تكون أول هذه الحقائق هي التطور الذي يشهده” الدور القانوني لمجلس حقوق الإنسان”، بوصفه المؤسسة الوطنية المعنية بمتابعة مدى الالتزام بمعايير حقوق الإنسان في مصر، وهو تطور لا ينفصل عن الوضع الدستوري الجديد للمجلس الذي أقره دستور 2014، والذي وفر إطارا داعما لاستقلالية المجلس، ومن ثم تمكينه من الاضطلاع بدوره بعيدا عن أي ضغوط محتملة من السلطة التنفيذية.

لكن المشكلة أن الإطار الدستوري المقصود لم ينعكس بعد على القانون المنظم لعمل المجلس، خاصة وأن المادة  2014 من الدستور تنص على أن القانون يبين كيفية تشكيل المجالس القومية، واختصاصاتها، وضمانات استقلال وحياد أعضائها، وأعطي لها الحق في إبلاغ السلطات العامة عن أي انتهاك يتعلق بمجال عملها، ومن ثم فالنص يتطلب قانونا متكاملا يحوله إلى واقع إجرائي، وكنا نتمنى لو أن هذا القانون صدر خلال الفترة الماضية مستلهما روح النص الدستوري ومقاصده، وهو أمر لو حدث كان سيزيل الجزء الأكبر من حالة “الاستقطاب” التي تواجه بها تحركات المجلس وتقاريره.

لكن في كل الحالات تبقى زيارات المجلس المتكررة للسجون خطوة جيدة يمكن البناء عليها، ورغم أن هذه الإجراء يستلزم مزيدا من “التحرير” ليد المجلس في زيارة السجون ومقار الاحتجاز بدون انتظار موافقة وزارة الداخلية، إلا أن الزيارات في حد ذاتها ملمحا لم يكن موجودا بمثل هذه الكثافة من قبل.

الحقيقة الثانية أن المجلس تحرك بناءً على شكاوى قدمت له من أسر ومحامين لمحتجزين وسجناء ينتمون لجماعة الإخوان المسلمون المحظورة، كما أن الزيارة شارك فيها عضو المجلس الأستاذ محمد عبد القدوس المقرب من التنظيم، وقابلت البعثة عددا من قيادات الجماعة بينما امتنع البعض الآخر عن مقابلتها، ربما يكون لهذا الأمر دلالته المهمة فيما يتعلق بتعامل جماعة الإخوان مع المنظمات الحقوقية، فهي لا ترضى من هذه المنظمات بغير تبني وجهة نظرها كاملة حتى لو كانت مخالفة للحقيقة.

على أي حال نحن بحاجة ماسة إلى دور أكثر تطورا ومهنية في عمل مجلس حقوق الإنسان، وهو ما يستلزم بالضرورة إعادة هيكلة المجلس على أسس موضوعية بعيدة عن الحسابات السياسية، وهو ما يتطلب بالتبعية الإسراع بإصدار قانون منظم يتوافق مع الدستور، وفي نفس الوقت تطوير آليات العمل بالمجلس سواء على مستوى الكوادر البشرية أو على مستوى الأدوات والوسائل.

ما بين يناير 2011 ويناير 2016

Ayman-Okeil-GM-of-Maat-for-Peace-Development-and-Human-Rights

قبل أيام قليلة من الذكرى الخامسة لثورة المصريين في 25 يناير 2011، وبالتزامن مع دعوات “متقطعة” من قوى محسوبة على المعسكر المناهض للنظام الحالي لثورة جديدة، تصبح المقارنة بين دوافع ومقدمات الثورة الأم من جهة والدعوات الحالية الخارجة على السياق من جهة ثانية أمرًا ضروريًا ولازمًا.

والضرورة هنا ليس “سببها” المصادرة على حق أي فصيل في الدعوة للتظاهر السلمي، بل الغضب من النظام –أي نظام- والدعوة لرحيله بالطرق السلمية والقانونية المشروعة، ولكن سببها هو ذلك الخلط المتعمد والمشوه بل المزيف بين أهداف وغايات فصيل أو فصائل أو تيارات أو حركات أو تجمعات محددة منخرطة في تلك الدعوة، وأهداف وغايات السواد الأعظم من الشعب المصري، الذي يملك وحده حق منح الشرعية أو حجبها، وسوابقه في 25 يناير 2011، ثم 30 يونيو 2013 شاهد على ذلك.

إن مقدمات ثورة 25 يناير 2011 كانت مختلفة بشكل جذري عن اللحظة الراهنة التي تعيشها مصر، فقبل الثورة مباشرة كانت مسارات التغيير السياسي من خلال الانتخابات شبه مستحيلة، بسبب ممارسات التزوير المنهجي التي شهدتها كل الانتخابات في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، وقد كانت انتخابات البرلمان في نهاية 2010 بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، بعدما مارس قادة الحزب الوطني وبعض أجهزة الدولة المتواطئة معهم التزوير وتزييف إرادة الناخبين على نطاق واسع، وأقصوا الأصوات المعارضة تمامًا عن المشهد السياسي، فيما بدا وكأنه تمهيد لتوريث السلطة لنجل الرئيس الأسبق من خلال برلمان معظم أعضائه موالٍ لم يأتوا بأصوات الناخبين، بل بتدخلات غير مشروعة للسلطة الحاكمة آنذاك.

من ناحية أخرى كان الفساد بجد منتشرًا ولا توجد إرادة سياسية حقيقية لمكافحته ولا حتى آليات لمواجهته.

أضف إلى ذلك مساوئ وعيوب دستور 1971 الذي كان حاكمًا آنذاك، والذي كان مقيدًا الحقوق والحريات العامة، وكان يجعل السلطة التنفيذية متغولة على سلطتي التشريع والقضاء، فضلا عن حالة الطوارئ التي فرضها نظام مبارك طوال فترة حكمه، وأغلق من خلالها المجال العام وصادر العمل المجتمعي ووضع الآلاف في المعتقلات دون محاكمة عادلة ودون أي اعتبار لقرارات جهاز النيابة العامة والأجهزة القضائية المعنية.

أما مساحة العمل الحزبي فقد كانت مغلقة بالضبة والمفتاح أمام أي تنظيم سياسي جاد، حيث حرم الملايين من حقهم في تكوين الأحزاب والانضمام إليها، ووضعت مسئولية إشهار الأحزاب وحلها في يد لجنة يديرها قادة الحزب الوطني، وبالتالي فقد منعوا وصول أي تنظيم حزبي جاد لمقاعد المنافسين، وحجبوا الشرعية عن أي مجموعة حاولت تكوين حزب رافض دور الكومبارس في المسرحية السياسية التي لعبها مبارك ونظامه على مدى 30 عامًا.

فهل من العدل والإنصاف مقارنة هذه المقدمات التي ما كان المصريون ليتخلصوا منها بغير الثورة، بحقائق المشهد الحالي المختلف جذريًا عما كان ؟

فالواقع الحالي يشهد بأن التغيير من خلال الانتخابات أصبح أمرا متاحا، وحتى مع وجود سلبيات طفيفة في العملية الانتخابية، فإنها أبدا لم تنتج عن تدخلات سلبية للسلطة، والدولة أثبتت حيادها التام والمطلق خلال ثلاثة استفتاءات دستورية، ومرتين لانتخاب رئيس الجمهورية ومرتين لانتخابات البرلمان، وبالتالي فالتغيير من خلال الصندوق أصبح مرهونًا بإرادة الناس وليس إرادة الحاكم.

كما أن محاربة الفساد أصبح لها مكانتها في الخطاب السياسي الرسمي للرئيس وحكومته، والأحداث التي شهدناها خلال العام ونصف العام الماضى خير دليل على ذلك، فالأجهزة الرقابية تتحدث عن وقائع الفساد بلا سقف ولا قيود، ولأول مرة في التاريخ المصري الحديث يتم تقديم وزير للمحاكمة بتهمة الفساد، وهناك استراتيجية وطنية معلنة لمكافحة الفساد، وبالتالي فالإرادة متوفرة لمحاربته حتى لو كانت وقائع الفساد ما زالت باقية وبارزة.

والدستور الذي نعيش في إطاره حاليًا يصون الحقوق والحريات، ويعبر بشكل واضح عن تطلعات وآمال وأحلام المصريين، وحالة الطوارئ والقوانين الاستثنائية ولت بلا رجعة، ولم تلجأ إليها السلطة رغم ما تواجهه من إرهاب منظم وغير تقليدي.

وأما تكوين الأحزاب فقد أصبح بالإخطار، ولدينا على الساحة حاليا ما يزيد على 100 حزب سياسي منها 44 شاركت في آخر انتخابات برلمانية، ومعظمها يعمل بحرية مطلقة في الشارع دون أي قيود.

في ضوء هذه المقارنة العادلة والموضوعية تفتقد الدعوة ثورة جديدة مبرراتها المنطقية، وتصبح جزءًا من عملية فوضى يريدها أصحاب الدعوة شاملة وعامة، لكن دعاة الفوضى تناسوا أن الشارع أكثر إدراكًا وذكاءً منهم، ورده على دعوتهم في 25 يناير 2016 سيكون خير دليل على ذلك.

فوز الرباعية التونسية بجائزة نوبل.. رسائل لمن يفهمها

Ayman
إعلان فوز لجنة الحوار الرباعية التونسية بجائزة نوبل للسلام هذا العام، يحمل أكثر من رسالة وفي أكثر من اتجاه ولأكثر من طرف، ليس فقط داخل العزيزة تونس، ولكن على امتداد دول الربيع العربي.

الرباعية التونسية – لمن لا يعلم – هي عبارة عن ائتلاف يضم أربعة من أهم مكونات المجتمع المدني التونسي بمفهومه الواسع، وهذه المنظمات هي: الاتحاد العام التونسي للشغل، الاتحاد التونسي للصناعة والحرف والصناعات اليدوية، الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، ونقابة المحامين التونسيين، وقد تشكلت اللجنة الرباعية عام 2013 “في الوقت الذي كانت الساحة التونسية تشهد احتقانا واضحا بين أطراف اللعبة السياسية هناك”.

واستطاعت لجنة الحوار الرباعية، أن ترعى وتدير حوارا فعالا وإيجابيا بين الأطراف السياسية المتصارعة، وهو ما أدى لقبول واسع بنتائج هذا الحوار، أثمر في النهاية إقرار الدستور التونسي، ثم إجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية التونسية، واستكمال بناء المؤسسات الدستورية.

إن نجاح دور الرباعية التونسية في عملية الانتقال الديمقراطي التونسي، يفتح أبوابا واسعة من الأمل للمجتمع المدني في المنطقة العربية، ويؤسس لدور جديد وفعال لهذه المنظمات القائمة على العضوية الطوعية، وتستند بالأساس لمجموعة من القيم الحقوقية الصرفة غير المحسوبة على فصيل أو تيار سياسي بعينه.

في ذات الوقت، فإن هذه التجربة الثرية والفارقة تحمل في طياتها رسائل مهمة لكل من منظمات المجتمع المدني الأخرى في المنطقة العربية، وللسلطات الحاكمة في المنطقة في ذات الوقت.

ربما تكون الرسالة الأهم، هي تلك التي يجب أن تتلقفها منظمات المجتمع المدنى الأخرى بكل تنويعاتها (جمعيات ومؤسسات ونقابات واتحادات وروابط)، وجوهر الرسالة أن هذه المنظمات يمكنها أن تلعب دورا فارقا في الانتقال السلمي للسلطة في البلدان التي تعاني صراعا سياسيا بين أيديولوجيات متعارضة، لكن نجاحها في هذا الدور مرهون بعدة أمور، لعل من أهمها الفصل القاطع بين ما هو سياسي وما هو حقوقي، والوقوف على مسافة واحدة من الفرقاء السياسيين، والاستناد لأرضية وطنية خالصة بعيدة عن التجاذبات الحزبية والأيديولوجية، وقبل ذلك وبعده صدق النوايا وإخلاص العمل.

الرسالة الأخرى التي يفرضها فوز الرباعية التونسية للحوار بجائزة نوبل، موجهة للسلطات الحاكمة في البلدان العربية، هذه الرسالة مفادها أن منظمات المجتمع المدني تستحق أن تأخذ دورا أكبر وأهم، وتستحق أن تعمل في مناخ تشريعي وسياسي وإجرائي أكثر ملاءمة مما هي فيه الآن، فمنظمات المجتمع المدني شريك حقيقي ومحايد ومستقل ووطني في عملية الانتقال الديمقراطي والتنمية بمفهومها الشامل.

لقد كانت تونس وشعبها سباقين في انطلاق مسيرة الربيع العربي، وسباقين في تنحية القوى الظلامية التي حاولت السطو على منجزات ونتائج الثورات العربية، وها هو مجتمعها المدني يسبق أيضا في نيل احترام العالم وتقدير اللجنة المسئولة عن أهم الجوائز في ميدان إقرار السلام، والأمل الآن معقود على منظمات المجتمع المدني الأخرى وعلى الحكومات والسلطات الحاكمة؛ لاستلهام هذا النموذج وتكراره؛ لوضع حد للصراعات المذهبية والسياسية التي تؤرق المنطقة.

إقالة الحكومة وحرص الرئيس على نزاهة الانتخابات البرلمانية

أيمن عقيل

لأول مرة في التاريخ السياسي المصري تتم إقالة وزير، ثم حكومة كاملة بسبب قضية فساد، فرغم أنها ليست المرة الأولى التي تتهم فيها حكومة ما بارتكاب جريمة الفساد أو التستر على مرتكبيها، فتاريخ الحكومات في مصر قبل ثورة يناير 2011 يشهد عشرات الوقائع، فإن تعامل القيادة السياسية مع القضية هذه المرة جاء مختلفًا ومتجاوزًا لكل ما اعتدنا عليه على مدى الأعوام الــ60 الماضية.

فقد شهد منتصف الأسبوع الماضي إجبار وزير الزراعة على الإقالة ليتم القبض عليها بعدها بدقائق وعلى بعد 100 متر من مقر مجلس الوزراء كمتهم في قضية فشاد ضخمة بوزارته، متورط فيها رسميًا– وفقًا لبيان النيابة العامة- رجل أعمال شهير وشخص محسوب على الوسط الإعلامي، ومدير مكتب الوزير المقال، بالإضافة بالطبع إلى الوزير نفسه، وبعدها بأقل من أربعة أيام تجبر الوزارة بكاملها على تقديم استقالتها ليتم تكليف وزير لم يتورط في قضايا أو شبهات فساد “وزير البترول المهندس شريف إسماعيل” بتشكيل حكومة جديدة خلال أسبوع.

بلا شك نحن إزاء طريقة جديدة في معالجة قضايا الفساد، الرئيس عبد الفتاح السيسي أكد بقراراته الأخيرة أنه غير متسامح مع الفساد كظاهرة وكفعل، وأنه لن ينحاز لأي اعتبارات أخرى طالما جرم الفساد أو التستر عليه أو التهاون في محاربته حاضر في المشهد، وربما تجدر الإشارة إلى عدة نقاط مهمة في موقف وقرارات الرئيس:

أولا: الرئيس لم يتردد في إقالة ومحاسبة وزير هو مسئول بشكل أو بآخر عن اختياره، وبالتالي هو لم يكابر فيما كان يكابر فيه مسئولون كثيرون في مصر سابقًا.

ثانيا: الرئيس يقيل الحكومة أثناء إجراء الانتخابات البرلمانية التي بدأت أولى مراحلها بداية سبتمبر 2015، ومن المتوقع لها أن تنتهي بنهاية نوفمبر 2015، وعلى الرغم من أن الحكومة ستستقيل بنص الدستور عقب انتخاب البرلمان، فإن الرئيس لم ينتظر هذه الفترة الوجيزة واتخذ قراره بإقالة الحكومة فورا، وهو ما يعد رسالة قوية مفادها أن الانتخابات ليست مبررًا للصبر على مسئول متورط –أو مشتبه في تورطه– في قضايا فساد.

ثالثا: وهي النقطة الأهم، أن الرئيس بقراره هذا يرسل رسالة واضحة تؤكد حرصه على نزاهة الانتخابات البرلمانية القادمة، فالرجل لم يترك حكومة مشكوكًا في نزاهة بعض وزرائها، تدير العملية الانتخابية في السنوات الأخيرة، وهي نقطة بكل تأكيد تحسب للرئيس، وفي نفس الوقت تطمئن قطاعًا واسعًا من المعنيين والمنخرطين في الشأن الانتخابي “أحزاب ومرشحين ومنظمات محلية ودولية”.

إن الفساد لا يقل خطورة بحال من الأحوال عن الإرهاب، فكلاهما يقوض جهود التنمية، ويضع حقوق الإنسان على المحك، ويسطو على حق المجتمع وحقوق أفراده، لذا فإن قوة الدولة في محاربة الفساد -والتي تجلت في الإجراءات الأخيرة للرئيس وللأجهزة الرقابية- هي الوجه الآخر الذي يتكامل مع قوتها في محاربة الإرهاب المستمرة منذ ما يزيد على عامين، وكما أن القوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني والإعلام يدركون أهمية الاصطفاف لمواجهة الإرهاب، عليهم أن يدركوا أيضًا أهمية الاصطفاف لمواجهة الفساد ومساعدة الرئيس على اقتلاع جذوره.

المجتمع المدني ومتابعة الانتخابات.. فريضة «التنسيق» الغائبة

موقع فيتو للنتائج
منذ عام 2005، أصبحت متابعة منظمات المجتمع المدني المصرية للانتخابات البرلمانية حقا قانونيا راسخا، وجاءت ثورة يناير 2011 لتعيد التأكيد على هذا الحق، بل تعززه بفتح الباب واسعا أمام متابعة منظمات المجتمع المدني الدولية للانتخابات، وفي ضوء ذلك أصبحت هذه المنظمات (بشقيها المحلي والدولي)، ضامنا مهما من ضمانات حرية ونزاهة الاستفتاءات والانتخابات العامة.

لكن، وعلى مدى السنوات الماضية، كان التنسيق والتعاون بين تحالفات المجتمع المدني المختلفة المنخرطة في أعمال متابعة الانتخابات هي الغاية التي لم تدرك بعد، وإذا ما كان مفهوما أن تتنافس الأحزاب ويغيب التنسيق فيما بينها، فما المبرر لذلك في حالة منظمات المجتمع المدني الأهلية غير الحزبية!

فالأحزاب في النهاية غايتها الوصول للسلطة، كما أنها تتبنى أيديولوجيات ورؤى ومواقف سياسية متباينة بل متعارضة أحيانا، لكن منظمات المجتمع المدني لا هدف لها سوى حرية ونزاهة الانتخابات العامة، ولا تحكمها أيديولوجية سياسية تجعل من عملها موضع تنافس وتصارع، بل إنها – بحكم الوضع القانوني والدور المجتمعي – تتبنى مداخل متقاربة؛ للمساهمة في التنمية المجتمعية الشاملة.

وفقا للبيانات الصادرة عن اللجنة العليا للانتخابات، فنحن بصدد ما يزيد على 80 منظمة محلية حصلت بالفعل على تصاريح لمتابعة الانتخابات البرلمانية، التي انطلقت أولى مراحلها مطلع سبتمبر الجاري، كما أن هناك 94 ألف شخص تابعين لهذه المنظمات، حصلوا على تصاريح متابعة، فضلا عن خمس منظمات مجتمع مدني دولية حصلت هي الأخرى على تصاريح لمتابعة الانتخابات.

في ضوء هذه الأرقام، نحن إزاء قوة بشرية ومؤسسية ضخمة جدا ستتابع الانتخابات، فلو افترضنا أن هناك 55 ألف صندوق انتخابي في مصر، سيكون نصيب كل صندوق قريبا جدا من “المراقبين”، وبالتالي سنكون بصدد أكبر ضمانة شعبية لنزاهة الانتخابات، كما سنوفر آلية للتغلب على مشكلة نقص التمويل التي تعاني منها معظم منظمات المجتمع المدني المصرية.

لكن غياب التنسيق بين المنظمات المختلفة، يحول هذه الضمانة إلى مجرد “حبر على ورق”، وبالتالي نجد أنفسنا أمام لجان متكدسة بالمتابعين، ولجان أخرى بلا متابعين على الإطلاق.

من وجهة نظري، أن غياب التنسيق سببه الرئيسي سيطرة العوامل الشخصية والذاتية على بعض المتصدين للعمل الحقوقي، المتعلق بمتابعة الانتخابات، والتنافس – غير المبرر – على مصادر التمويل المحدودة بطبيعتها، والتراجع الحاد في النزعة التطوعية المتجردة لدى بعض قادة منظمات المجتمع المدني، ومع التسليم بأن هذه السمات ليست الغالبة بالتأكيد، لكن وجودها – ولو على نطاق محدود – يقوض أي جهود جادة وموضوعية تستهدف تدشين جبهة موحدة من منظمات المجتمع المدني؛ لمتابعة الانتخابات.

إن المكسب الذي حققته منظمات المجتمع المدني منذ 10 سنوات، الذي انتزعت بموجبه حقها في متابعة الانتخاب، سيكون مهددا بافتقاد جدواه وقيمته، لو لم تتدارك المنظمات الموقف، وتستعيد زمام المبادرة وتضرب المثل في التنسيق والتكامل فيما بينها.

قانون مكافحة الإرهاب بين الاعتبارات السياسية والحقوقية

موقع فيتو للنتائج

التطور في نوعية الجرائم الإرهابية التي شهدتها مصر خلال العامين الأخيرين، استدعى ضرورة وجود تطور مقابل في الوسائل التقنية والتنظيمية والتشريعية المطلوبة لمواجهة الإرهاب، ومع التسليم بأهمية الحفاظ على القدر الواجب من احترام حقوق الإنسان والحريات العامة خلال الحرب على الإرهاب، فإن الدولة ملزمة بأن تصعد مواجهتها الشاملة ضد التنظيمات والعناصر الإرهابية؛ حفاظا على حق المجتمع في الأمن، وهو الحق الذي قدسته المنظومة الأممية لحقوق الإنسان.

في إطار هذه الحقيقة فقط، يجب أن نتناول قانون مكافحة الإرهاب الصادر بقرار رئيس الجمهورية رقم 94 لسنة 2015، فالحاجة للقانون أو عدم الحاجة له تحددها ضرورات الموقف الراهن أولا، وطبيعة الجرائم التي تواجهها الدولة ثانيا، ويصبح التحدي الرئيسي هو كيفية توفير ضمانات لعدم تجاوز نصوص القانون لنطاق غاياته، وتقليل تأثيراته السلبية على احترام معايير حقوق الإنسان والحريات العامة، وهو أمر مرهون بالممارسة أكثر ما هو مرهون بالنصوص القانونية ذاتها.

ما يجدر ذكره هنا، أن سعي الدولة – أي دولة – لإصدار تشريعات تكافح الإرهاب، يتسق تماما مع توجهات دولية قديمة، ربما يكون أهمها الاتفاقية الدولية لقمع تمويل الإرهاب، التي عرضتها الجمعية العامة للأمم المتحدة للتوقيع في ديسمبر 1999، الذي ينص في مادته السادسة، على أن “تعتمد كل دولة طرف التدابير اللازمة، بما في ذلك التشريعات الداخلية، عند الاقتضاء، لكفالة عدم تبرير اﻷعمال الإجرامية الداخلة في نطاق هذه الاتفاقية”.

وبالتالي فالدولة المصرية في ظل ما تواجهه من إرهاب في الوقت الراهن، يتوفر لها الإطار الداعم، بل الذي يستوجب عليها ضرورة تطوير تشريعاتها لتحارب ذلك النوع من الجريمة المنظمة، التي أصبحت تهدد استقرار العالم بدرجة غير مسبوقة.

إن هذا التحليل لا يجب أن يفهم على أنه مصادرة على حق البعض في مناقشة تفاصيل قانون مكافحة الإرهاب، بل انتقاده والمطالبة بتعديل بعض مواده، لكن في نفس الوقت، لا يجب أن يكون ذلك مبررا للمصادرة على حق الدولة – بل واجبها – في إصدار تشريعات تفرضها مقتضيات الضرورة.

ويجب ألا ينسى المعترضون على القانون بالكلية في سياق اعتراضهم، أن مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة ذاته، قد تبنى في دورته المنعقدة بمارس 2015، قرارا بعنوان أثر الإرهاب على التمتع بحقوق الإنسان، أدان فيه جميع العمليات الإرهابية، وأكد في فقرته الرابعة، على أن مسئولية الدولة في المقام الأول هي حماية مواطنيها من الإرهاب، بوصفه ذا تأثير سلبي مباشر على احترام حقوق الإنسان.

بل إن القرار زاد عن ذلك، فحث الدول على اتخاذ التدابير اللازمة لتجريم الأعمال الإرهابية ومرتكبيها ومموليها وداعميها، ومن يوفورن ملاذا آمنا لأعضاء التنظيمات الإرهابية، وأهاب بها تعزيز قوانينها الوطنية لتتناسب مع مقتضيات مكافحة هذه الجريمة.

من هنا، فنحن أمام حالة انسجام تامة بين احترام حقوق الإنسان من جانب، وأهمية تعديل وسن التشريعات لمكافحة الإرهاب من جانب آخر، ويبقى فقط على القوى والمنظمات المعترضة على القانون برمته، أن تراجع مواقفها في ضوء اعتبارات وطنية وحقوقية خالصة، وليس في ضوء اعتبارات سياسية ضيقة.

في ذكرى فض رابعة.. فتش عن السلمية

موقع فيتو للنتائج
قبل عامين من الآن، كانت عملية فض اعتصامات ميداني رابعة العدوية بالقاهرة والنهضة بالجيزة، وهي العملية التي لازالت آثارها قائمة حتى الآن؛ حيث لازالت جماعة الإخوان وأنصارها يتخذون منها “بكائية تاريخية”، ويقيمون على أطلالها “وهم” ثورتهم المنشودة.

وفي المقابل، لازالت الأغلبية من القوى الوطنية التي أسقطت جماعة الإخوان بثورة شعبية في 30 يونيو، ترى في عملية الفض ضرورة فرضتها الظروف وخروج الاعتصامات على نطاق السلمية.

من حيث المبدأ، فالحق في الاعتصام مكفول من وجهة النظر الحقوقية، ولكن بشروط، فالاعتصامات أحد أشكال التجمعات التي اشترطت المنظومة الحقوقية الدولية ضرورة سلميتها لينطبق عليها هذا الوصف، بمعنى أن تكون خالية من المسلحين وغير مقترنة باستخدام أي من أنواع السلاح، ولا تمارس فيها أعمال عنف.

كما أعطت المنظومة الدولية، الحق للدول في تنظيم ممارسة هذا الحق؛ حيث نصت المادة (21) من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، على جواز فرض قيود على ممارسة حق التجمع السلمي طبقًا للقانون، وبهدف صيانة الأمن القومي أو السلامة العامة أو النظام العام أو حماية المصلحة العامة أو الآداب العامة أو حماية حقوق الآخرين وحرياتهم.

وعلى مدى العامين الماضيين، خرجت الكثير من التقارير الحقوقية (من بينها تقرير المجلس القومي لحقوق الإنسان في مصر، وتقرير آخر أصدرته منظمة هيومان رايتس ووتش بعد عام من فض الاعتصامات)، وقد تحدثت هذه التقارير بشكل متفاوت عن مدى سلمية اعتصام رابعة العدوية تحديدا.

لكن الملاحظ في كل هذه التقارير، أنها اعترفت بشكل صريح بأن اعتصام رابعة كان مسلحا، وشهد إطلاق نار من المعتصمين اتجاه الشرطة، كما أثبت تقرير المجلس القومي لحقوق الإنسان، وجود حالات وفيات سابقة لعملية فض الاعتصام، وهو ما يؤكد اتهامات موجهة لقادة الاعتصام بتعذيب مواطنين وقتلهم.

إن ما نتحدث فيه الآن ليس محاولة لإعادة إحياء الماضي، ولا هو تبرير لعملية فض الاعتصام، وبالطبع ليس تبنيا لموقف جماعة الإخوان المسلمين، لكن هو فقط محاولة لوضع الأمور في نصابها، والنصاب الصحيح هنا هو أننا بالمعايير الحقوقية لم نكن إزاء اعتصام سلمي بالمرة، وأن عملية الفض كانت واجبة ولازمة، خاصة أن الاعتصام ذاته أصبح خطرا على سكان المناطق الحيوية المجاورة لمناطق الاعتصامات.

ولو تجاوزنا هذه النقطة، فإنه يتوجب علينا الحديث عن الوجه الآخر من الصورة، وهو المتعلق بأداء السلطات التنفيذية خلال عملية فض الاعتصام، ورغم وجود شهادات وأدلة كافية على أنها لم تسع لإراقة الدماء أثناء عملية الفض، وأمنت ممرا للمعتصمين، إلا أن قدراتها الفنية وخبرتها في فض الاعتصامات لم تسعفها للتعامل بشكل أكثر احترافية مع حماقات ومؤامرات الطرف الآخر، الذي كان على ما يبدو حريصا على الدم، أكثر من حرصه على أرواح أنصاره وأتباعه.

إن الدرس الباقي من عملية فض اعتصام ميداني رابعة العدوية والنهضة، هو ضرورة أن نتبنى نهجا قائما على احترام معايير حقوق الإنسان، خلال التعامل مع الاحتجاجات السلمية.. ونتبنى هنا لا تعود فقط على السلطة الحاكمة، لكنها تعود أيضا على القائمين بالمظاهر الاحتجاجية المشروعة، فكما أن السلطة مطالبة بضبط النفس والتعامل مع الاحتجاجات وفقا للقواعد الدولية، فالمحتجون أنفسهم مطالبون بالتمسك بالسلمية المطلقة، ونبذ أي مظهر عنف، وإلا فقدوا شرعية احتجاجهم من الأساس.

المنظومة الأممية والكيل بمكيالين

أيمن عقيل - Ayman Okeil

في تعاطيها مع الإرهاب كانت سياسة الكيل بمكيالين هي الغالبة على أداء المنظومة الأممية، والخطاب الرسمي الصادر عنها، أو حتى المواقف الصادرة عن غالبية القوى الدولية التي تقدم نفسها بوصفها مدافعة عن حقوق الإنسان.

فعلى مدى أربعة عشر عاما، فصلت بين الحدث الإرهابي الأشهر الذي استهدف برجي التجارة في نيويورك (2001)، وما تتعرض له مصر وبعض دول المنطقة العربية عام 2015، فظهر الوجه الحقيقي القبيح لتلك السياسة القميئة، فبعد 17 يوما فقط من أحداث 11 سبتمبر 2001، اتخذ مجلس الأمن قراره الشهير رقم 1373 الذي تبنى خطابا متشددا إزاء المنظمات والدول التي تدعم الإرهاب.

ومن عجائب القدر، أن القرار المذكور تضمن في مادته الثانية، نصا صريحا يجبر الدول على عدم تقديم أي نوع من الدعم الصريح أو الضمني إلى الأشخاص الضالعين في ارتكاب الجرائم الإرهابية، بل تضمنت نفس المادة أيضا حظرا على الدول أن تقدم ملاذا آمنا لمن يرتكبون أو يمولون أو يدعمون العمليات الإرهابية، وحظرت عليها جعل أراضيها منطلقا لتلك الحزمة المجرمة من الأعمال العدوانية.

الآن وبعد مرور هذه السنوات، وفي ظل وجود هذا القرار الأممي الملزم، نجد المنظومة الدولية تغض الطرف عن دول ترتكب كل تلك الجرائم مجتمعة، فهناك على الأراضي القطرية التي تتخذ الولايات المتحدة منها منطلقا لحربها على الإرهاب ومقرا لأكبر قواعدها العسكرية، يعيش جيش من ممولي وداعمي العمليات الإرهابية التي تحصد أرواح الأبرياء في مصر وليبيا وتونس وسوريا، وعلى الأراضي التركية – حليفة الولايات المتحدة – تتوفر منصات الحرب الإعلامية؛ للتحريض ودعم الجرائم الإرهابية التي ترتكب في مصر.

داعمو وممولو الإرهاب، بل كثير من المرتكبين المباشرين للجرائم الإرهابية، والأبواق الإعلامية التي تبرر لهم إرهابهم، كل هؤلاء يتوفر لهم الملاذ الآمن والمساندة السياسية في قطر وتركيا، في الوقت الذي شنت فيه الولايات المتحدة حربا شرسة على العراق قبل سنوات، استنادا للقرار 1373 الذي يجرم كل تلك التصرفات.

إن المنظومة الأممية تواصل نزيف سمعتها، طالما تركت قراراتها تتحول لمجرد حبر على ورق، وقبلت أن تتهم بممارسة الكيل بمكيالين، واختارت أن “تستأسد” على دول تحوم حولها شكوك بدعم الإرهاب، بينما تنقلب إلى نعامة عندما يتعلق الأمر بدول أخرى تتوفر شواهد كافية وأدلة ساطعة سطوع الشمس على دعمها ومساندتها للإرهاب، وإيوائها للإرهابيين.

لا أحد يجادل في أهمية القرارات الدولية التي تحظى بإجماع واتفاق عام لمواجهة الإرهاب والعنف والتطرف، ولا أحد يجادل في أن احترام حقوق الإنسان يتطلب مواجهة صريحة وحازمة للإرهاب، لكن ما سيظل موضع جدل، بل استهجان أيضا، هو أن تكشر المنظومة الدولية عن أنيابها عندما يكون ضحية الإرهاب أمريكي الجنسية، بينما توزع ابتساماتها على”القاتلين” عندما يكون الضحية عربيا.