ايمن عقيل من جنيف

برنامج المشهد علي قناة النيل الاخبارية ومداخلة تليفونية مع الاستاذ / أيمن عقيل رئيس مجلس أمناء مؤسسة ماعت للسلام والتنمية وحقوق الانسان من جنيف – مصر تقدم تقريرها أمام المجلس الدولي لحقوق الإنسان

خضوع مصر لآلية الاستعراض الدوري الشامل UPR

برنامج « الحياة اليوم » وحلقة خاصة عن خضوع مصر لآلية الاستعراض الدوري الشامل
استضاف البرنامج الأستاذ / أيمن عقيل – رئيس مجلس أمناء مؤسسة ماعت

المنظمات المدنية في مصر الواقع والدور المنتظر بعد ثورة 25 يناير 2011

تمهيد

شهدت مصر ثورة شعبية عارمة في 25 يناير 2011 استطاعت ان تسقط نظام حكم ظل قائما منذ قرابة الثلاثين عاما ، ودخلت البلاد إلى مرحلة انتقالية بدءا من يوم 11 فبراير 2011 ويفترض أن تنتهي قبل منتصف عام 2012 بوجود برلمان منتخب ينبثق عنه لجنة تأسيسية لصياغة دستور جديد للبلاد ، ورئيس جمهورية منتخب  وعودة المجلس الأعلى للقوات المسلحة إلى ثكناته بعد أداء مهـمته التي تولى خلالها حكم البلاد في المرحة الانتقالية .

وتمثل منظمات المجتمع المدني في مصر ركنا مهـما من أركان المنظومة الاجتماعية والسياسية  ، وقد كان لها دورا مؤثرا وبارزا في مرحلة ما قبل وأثناء الثورة ، كما ينتظر ان تلعب دورا مهـما في مرحلة بناء النظام الجديد  والعبور بالوطن  من برزخ المرحلة الانتقالية بسلام .

والورقة التي بين أيدينا تقدم رؤية لواقع  المنظمات المدنية في مصر ، ثم عرضا لدورها في  مرحلة ما قبل وأثناء الثورة ، كما تقدم رؤية مستقبلية لاستجابة منظمات المجتمع المدني المصرية للتحديات التالية لمرحلة الثورة  والإشكاليات  التي تواجه قدرتها على الاستجابة للتحديات ، كما تقدم توصيات محددة لتفعيل هذا الدور .

 

المحور الأول :- المنظمات المدنية في مصر

منظمات المجتمع المدني نظرة عالمية

شهدت سنوات العقد المنصرم توسعاً مذهلاً في حجم ونطاق وقدرات المجتمع المدني في جميع أنحاء العالم، مدعوماً بعملية العولمة واتساع نطاق نظم الحكم الديمقراطية، والاتصالات السلكية واللاسلكية، والتكامل الاقتصادي.

إن قطاع المجتمع المدني لا يبرز فقط كجهة فاعلة واضحة على المستوى المجتمعي في أجزاء كثيرة من العالم، لكنه يتسم كذلك بتنوع ثري في طبيعته وتركيبته. ولهذا السبب، تتفاوت تعريفات المجتمع المدني بدرجة كبيرة استناداً إلى اختلاف النماذج التصورية والأصول التاريخية والسياق القطري العام.

ويتبنى البنك الدولي تعريفاً للمجتمع المدني أعده عدد من المراكز البحثية الرائدة .

“يشير مصطلح المجتمع المدني إلى المجموعة واسعة النطاق من المنظمات غير الحكومية والمنظمات غير الربحية التي لها وجودٌ في الحياة العامة وتنهض بعبء التعبير عن اهتمامات وقيم أعضائها أو الآخرين، استناداً إلى اعتبارات أخلاقية أو ثقافية أو سياسية أو علمية أو دينية أو خيرية.

ومن ثم يشير مصطلح منظمات المجتمع المدني إلى مجموعة عريضة من المنظمات، تضم: الجماعات المجتمعية المحلية، والمنظمات غير الحكومية ، والنقابات العمالية، وجماعات السكان الأصليين، والمنظمات الخيرية، والمنظمات الدينية، والنقابات المهنية، ومؤسسات العمل الخيري  ( البنك الدولي ، 2010)

وقد أوضح تقرير منظمة التعاون والتنمية في الميدان الإقتصادى أن عدد المنظمات غير الحكومية الدولية زاد من 6000 منظمه عام 1990 ليصبح أكثر من 50 ألف منظمه عام 2006 ثم ليزداد ليقترب من 130 ألف منظمه غير حكوميه عام 2010  ،كما يشير تقرير منظمة التعاون والتنمية في الميدان الإقتصادى أن هذه المنظمات قدمت مساعدات تقدر بحوالي 15 مليار دولار أمريكي من المساعدات الدولية حتى عام 2006 وزادت إلى 100   مليار دولار أمريكي حتى عام 2009 وتعتبر جهات منظمات المجتمع المدني لها تأثير في تشكيل السياسات العامة على مستوى العالم خلال العقدين الماضيين ويبدو هذا النشاط جلياً من خلال الحملات الدعائية الناجمة التي تدور حول قضايا بعينها مثل حظر زراعة الألغام الأرضية وحماية البيئة وتوفير الغذاء ومكافحة الفقر ونجحت المنظمات المجتمع المدني دولياً وإقليمياً في حشد ألاف المساندين  لها في شتى أنحاء المعمورة ( السيد 2011 )

 

خلفية عن منظمات المجتمع المدني المصرية

تتخذ  منظمات المجتمع المدني المصرية المعنية هنا ، شكل الجمعيات والمؤسسات الأهلية ، حيث تعرف الجمعية قانونا بأنها كل جماعة ذات تنظيم مستمر لمدة معينة أو غير معينة تتألف من أشخاص طبيعيين لا يقل عددهـم عن عشرة أشخاص أو من أشخاص اعتباريين بهدف عدم الحصول على ربح ( الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء ، 2009 ) .

ورغم أن القانون الذي يحكم عمل المنظمات الأهلية في مصر هو القانون 84 لسنة 2002 ، وتقوم على تطبيقه وزارة التضامن الاجتماعي ، فإنه في حالات قليلة تتخذ المنظمات الأهلية شكل الشركات المدنية  غير الهادفة للربح ،  وفي هذه الحالة فإنها لا تخضع لرقابة وزارة التضامن الاجتماعي ، وفي نفس الوقت لا تخضع لأحكام القانون 84 لسنة 2002 ، ولكنها تؤدي نفس الوظائف التي تؤديها المنظمات الأهلية الأخرى الخاضعة لهذه الآليات .

القانون الحاكم حاليا لعمل الجمعيات والمؤسسات الأهلية في مصر  وهو القانون 84 لسنة 2002 يعتبر  أن الجمعية  أو المؤسسة  هي ” كل جماعة ذات تنظيم مستمر لمدة معينة أو غير معينة تتألف من أشخاص طبيعيين، أو أشخاص اعتبارية، أو منهـما معاً. لا يقل عددهـم في جميع الأحوال عن عشرة، وذلك لغرض غير الحصول على ربح مادي. ”

وقد شهدت أعداد المنظمات الأهلية زيادة كبيرة  خلال  السنوات الماضية ، ورغم وجود تضارب في الإحصائيات الخاصة  بالمنظمات  الأهلية  ، إلا أن التقديرات الحكومية تشير إلى وجود ما يزيد على 26 ألف  جمعية ومؤسسة  أهلية ، منها 198 منظمة تصنف على إنها منظمات حقوقية  ، بينما تعمل الجمعيات الأخرى في مجالات التنمية والرعاية الاجتماعية والأنشطة الخيرية  ، هذا إلى جانب عدد محدود من المنظمات المشهرة كشركات مدنية غير هادفة للربح  وتقوم بعمل الجمعيات والمؤسسات .

الفترة الزمنية عدد الجمعيات المنشأة المتوسط السنوي
1964- 1973 3161 316
1974-1983 2304 230
1984- 1993 2441 24
1994-2003 4788 479
2004-2006 1694 850
2006-2010 6452 1613

وتشير البيانات المتوفرة  إلى أن  المتوسط السنوي لعدد الجمعيات التي يتم إشهارها قد تزايد بشدة في السنوات العشر الأخيرة وكما هو الحال على المستوى العربي فإنه على المستوى الوطني لم يتوقف  التطور الذي طرأ على  منظمات المجتمع المدني عند الزيادة العددية فقط ، ولكنه تجاوزها إلى  زيادة وتنوع ميادين العمل التي تعمل فيها هذه المنظمات ، فوفقا للمادة (11) من قانون  (84 ) لسنة 2002 ، وهو القانون الحاكم لعمل المنظمات الأهلية ، فإن الجمعيات  الأهلية تعمل على تحقيق أغراضها في الميادين المختلفة لتنمية المجتمع وفقا للقواعد والإجراءات التي يحددها القانون واللائحة التنفيذية .

وقد أجاز ت المادة (11)  من القانون  للجمعية – بعد أخذ رأى الاتحادات المختصة وموافقة الجهة الإدارية – أن تعمل في أكثر من ميدان ، كما حظر  إنشاء الجمعيات السرية ، والجمعية التي تمارس  نشاطا  مثل تكوين السرايا أو التشكيلات العسكرية أو ذات الطابع العسكري  ، او يهدد  الوحدة الوطنية أو يخالف  النظام العام أو الآداب أو يدعو  إلى التمييز بين المواطنين بسبب الجنس أو الأصل أو اللون أو اللغة أو الدين أو العقيدة ،.

كما حظرت نفس المادة من القانون   على الجمعيات ممارسة نشاط سياسي تقتصر ممارسته على الأحزاب السياسية وفقا لقانون الأحزاب وأي نشاط نقابي تقتصر ممارسته على النقابات وفقا لقوانين النقابات ، كما حظر عليها   استهداف تحقيق ربح أو ممارسة نشاط ينصرف إلى ذلك .، فيما أجاز القانون للجمعية بعد اكتسابها الشخصية الاعتبارية القيام بأي نشاط يؤدي إلى تحقيق أغراضها في تنمية المجتمع.

وقد أوضحت المادة (48 ) من اللائحة التنفيذية للقانون (84 ) لسنة 2002  إنه يعد من ميادين تنمية المجتمع أية أنشطة تهدف إلى تحقيق التنمية البشرية المتواصلة سواء في ذلك الأنشطة التعليمية أو الصحية أو الثقافية أو الخدمات الاجتماعية أو الاقتصادية أو البيئية أو حماية المستهلك أو التوعية بالحقوق الدستورية والقانونية أو الدفاع الاجتماعي أو حقوق الإنسان ، وغير ذلك من الأنشط

المنظمات الدفاعية  المصرية كلاعب رئيسي في  حقل الحراك الاجتماعي

يمكن تصنيف منظمات المناصرة أو المنظمات الدفاعية وفقا لمجالات أنشطتها بحسب ما جاء في تقرير التنمية البشرية لمصر 2008 كالتالي ( معهد التخطيط القومي ، 2008 ) :-

  • منظمات حقوق الإنسان

هناك 61 منظمة مناصرة تعمل في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان منذ مطلع عام 2007 وفقا لنتائج مسح الاتحاد العام للجمعيات والمؤسسات الأهلية , وتم تسجيل بعض هذه المنظمات في إطار القانون رقم 84 لسنة 2002 , بينما تم تسجيل البعض الآخر كشركات غير هادفة للربح , وتعمل هذه المنظمات في ثلاث مجالات أساسية :

  • الرقابة والرصد لحالات انتهاك حقوق الإنسان.
  • تعزيز ثقافة حقوق الإنسان ( من خلال التوعية والندوات والبحوث والمؤتمرات والتقارير )
  • تقديم المساعدة القانونية المباشرة للمتضررين من انتهاكات حقوق الإنسان.

وتري جماعات المناصرة أن التنمية البشرية تضمن نوعية حياة أفضل لكافة المواطنين , وتعتبر حقوق الإنسان كما عرفها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان سواء في الساحة السياسية أو المدنية أو الاقتصادية أو الاجتماعية مكونا أساسيا للتنمية البشرية وغاية هامة للمجتمع المدني  .

وقد ركز معظم الجيل الأول لمنظمات المناصرة في مصر على الحريات المدنية والسياسية وحقوق المواطنة ومن أهـم أمثلته المنظمة المصرية لحقوق الإنسان ، مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان , بينما ركز معظم الجيل الثاني على حقوق المرأة والعمال والفلاحين ، ومن أهـم نماذج منظمات الجيل الثاني دار الخدمات النقابية ، مركز الأرض ،  وحاليا بدأت جماعات المناصرة في التركيز على قضايا اجتماعية أخرى مثل الحق في التعليم والمسكن أو منع أي شكل من إشكال الإهـمال الطبي, ومن أمثلة جماعات المناصرة التي تبذل جهودا من اجل كفالة الحقوق الاجتماعية الأساسية : المركز المصري لحقوق السكن ,والجمعية المصرية للدفاع عن ضحايا الإهـمال الطبي, وجمعية الدفاع عن حقوق سكان العشوائيات .

 

  • حماية المستهلك

يبلغ عدد هذه الجمعيات رسميا 671 جمعية وفقا لبيانات الاتحاد العام للجمعيات والمؤسسات الأهلية, وعلى الرغم من أهـمية الأنشطة التي تمارسها هذه الجمعيات للتصدي لارتفاع أسعار السلع الأساسية مثل المواد الغذائية والأدوية إلى جانب الانتشار المخيف للغش والفساد الذي تغلغل في المعاملات العادية , فإننا لا نكاد نعرف شيئا عن دورها ومدى فاعليتها ويبدو هذا أمرا غريبا , بالنظر إلى عددها الرسمي الكبير وفي مجال ينبغي دراسته علميا .

 

  • حماية البيئة

تصنف هذه الجمعيات عالميا تحت مظلة منظمات المناصرة وعلى الرغم من أن هناك دراسة متخصصة , أجريت في مطلع الألفية , رصدت عددا من الجمعيات النشطة في مجال حماية البيئة يبلغ نحو 76 جمعية , إلا أن عددا كبيرا من الجمعيات ( حوالي 4416 جمعية في بداية عام 2007 ) تسجل في أوراق إشهارها  هذا النشاط رسميا لدي وزارة التضامن الاجتماعي كواحد من أنشطتها . وهذا الرقم بطبيعة الحال لا معني له , حيث لا يستند إلى أي دليل يثبت أن هذا النشاط يمارس فعلا .

 

  • منظمات المرأة

تستهدف هذه المنظمات  الدفاع عن حقوق المرأة والنهوض بها من خلال السعي إلى التأثير في صانعي السياسات والتشريعات والى التوعية بالحقوق السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية للمرأة وهناك نوعان من المنظمات الأهلية النسائية  :-

  • المنظمات التي تشكلها النساء وتقتصر مواقع صنع القرار فيها , أي مجلس الإدارة , والعضوية على النساء فقط وتخدم النساء فقط.
  • المنظمات التي تستهدف النساء فقط وتسعى إلى تمكينهن من خلال آليات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية قومية , وعلى الرغم من أن هذه المنظمات كانت مغلقة على النساء فقط , إلا إنها فتحت أبوابها لعضوية الذكور, انطلاقا من أن قضايا المرأة تحتاج إلى دعم قوي من المجتمع ككل ومن الرجال بصفة خاصة .

 

المحور الثاني : دور منظمات المجتمع المدني في إحداث الحراك الشعبي

  • دور المنظمات  المدنية  فى العمل مع الأطراف الفاعلة  في الثورة  ( قبل الثورة)

أولا :-  المنظمات المدنية بين الدور السياسي والحقوقي

وفقا لمقالة مهـمة للناشط الحقوقي المعروف هيثم مناع ، ففي بداية الثمانينات، دخل عدد كبير من السياسيين والمثقفين  حركة حقوق الإنسان في البلدان العربية  وهو ما خلق خلطا كبيرا  بين السياسي والحقوقي وبين المهـمات والبرامج

وفي عام  1989  أجريت  مقارنة بين البرنامج السياسي لعدة أحزاب في الأردن واليمن ومصر وسورية وتونس والجزائر والسودان مع برنامج عمل أكثر من منظمة محلية لحقوق الإنسان ولم يوجد فارقا كبيرا يذكر . ولا يعود ذلك فحسب إلى ضعف عملية الوعي المجتمعية والسياسية وإنما أيضا إلى حقيقة أن العديد من المهـمات كانت بالفعل تتقاطع وأن من هـموم الحركة السياسية وحركة حقوق الإنسان كلاهـما مثلا رفع حالة الطوارئ وإقرار دستور تعددي ودمقرطة الحياة السياسية والنقابية كذلك الإفراج عن كافة معتقلي الرأي الخ.

لقد اكتسبت حركة حقوق الإنسان مصداقية في مرحلة عاشت فيها الأحزاب السياسية أزمة هوية و شقاق مع مجتمعاتها. وتكاد نقاط الاهتمام الجماهيرية تنحسر في عدة بلدان بين الحزب الحاكم بالترهيب والحركة الإسلامية بخطاب الترغيب. ومن هنا توجهت الأنظار لنشطاء حقوق الإنسان كتعبير عن رفض مزدوج في الغالب أو ملجأ حماية أخلاقية ، لأن نشطاء حقوق الإنسان يلعبون دور أساسي في عملية الوعي وفي النضال ولكن ضمن ثلاثة منارات أساسية (مناع ، 2009  ) :-

  • المنارة الأولى ، هي اعتبار حقوق الإنسان ، وليس البرنامج الديمقراطي السياسي الناظم (الحاكم) الأساسي لعمل النشطاء. وذلك باعتبار حقوق الإنسان مرجعية قانونية دولية لمراقبة قوانين وإجراءات الحكومة، والحركة السياسية أينما كان خندقها (موقفها الأيديولوجي ). فهي ليست رهينة تصويت الأغلبية، ولا يكفي مثلا اجتماع 90 % من الجزائريين على العقوبات الجسدية لنقبل بها ولا يكفي وجود أغلبية أمريكية مع حكم الإعدام لتسلم فيه ( فمن المهـم قياس رأي الأغلبية على ما تملية معايير حقوق الإنسان)
  • المنارة الثانية هي قاسم مشترك : باعتبارها تدعم كل معركة سياسية ديمقراطية في المجتمع تهدف إلى دمقرطة الأوضاع الدولانية والمجتمعية وحماية حقوق الأفراد والمجتمعات السياسية والمدنية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والبيئية. من هنا ستتقاطع حينا مع قوى ليبرالية تطالب بحقوق سياسية محددة ومع قوى اشتراكية تصر على حق التعليم والصحة والتنمية ومع قوى نقابية تؤكد على حق العمل وأنسنة العمل ومع مصلحين إسلاميين يعتبرون الأخلاق منظما أساسيا للعلاقات السياسية والتضامن حقا أساسيا من حقوق الإنسان . سنتقاطع بالتأكيد مع قوى متعددة تشاركنا نقاط أساسية من الشرعة الدولية لحقوق الإنسان ولكن واجبنا هو الإصرار على تحديد نقاط التقاطع والتخوم بيننا بوضوح  ودون مجاملة.
  • المنارة الثالثة هي اعتبار حقوق الإنسان كسلطة مضادة : بالإصرار على رفض الاندماج في الجسم السياسي الحزبي مهـما كانت الغاية نبيلة. فلا مجال للخلط بين أهدافها ووظائف السياسيين باعتبارهـم مرشحين تلقائيين للسلطتين التشريعية والتنفيذية. في حين تشكل عملية البناء المدنية للقوى الاجتماعية من نقابات و جمعيات وأشكال تضامن واندماج أهليين ومبادرات قاعدية الهدف الأسمى لنشطاء حقوق الإنسان الذين يهـمهـم الإنتاج الواسع للإنسان السياسي والمدني اكثر مما يهـمهـم قيادته.

 

ثانيا :-  دور المنظمات المدنية المصرية في العمل مع  الأطراف السياسية قبل الثورة

الطرف الرئيسي الفاعل في ثورة 25 يناير 2011 في مصر هـم الشباب ، وقد شهدت السنوات العشر السابقة للثورة نشاطا متزايدا من منظمات المجتمع المدني المصرية في العمل مع هذه الفئة في مجالات التوعية بالحقوق السياسية وحماية الحق في المشاركة السياسية ومناهضة الانتهاكات التي يتعرضون لها خلال  مسيرتهـم  نحو التغيير السلمي .

وسوف نرصد فيما يلي أهـم ملامح عمل منظمات المجتمع المدني مع هذه الفئة للوقوف على طبيعة وأشكال الدعم المقدم لهـم والذي يعد من قبيل المشاركة غير المباشرة لمنظمات المجتمع المدني في الثورة المصرية .

 التثقيف الحقوقي والسياسي للنشطاء

لعبت  منظمات المجتمع المدني المصرية دورا مهـما في التثقيف والتوعية بالحقوق ، وقد نشطت في هذا الميدان  منظمات المجتمع المدني الحقوقية على وجه الخصوص  ، وبشكل عام يمكننا حصر أهـم مجالات نشاط المنظمات المدنية  في هذا الشأن  خلال السنوات العشر الأخيرة فيما يلي :-

  • التوعية بالحقوق القانونية والدستورية ، وتقوم بهذا النشاط في الأساس المنظمات المسجلة كمنظمات حقوقية ، وهي تستهدف مدى واسع من الفئات ، كما تتضمن سلة من الحقوق ، ومن أهـم الحقوق التي يتم التركيز عليها لنشر الوعي بها من قبل منظمات المجتمع المدني خلال السنوات العشر الأخيرة حقوق العمال وحقوق ذوي الإعاقة وحقوق الطفل وحقوق المرأة .
  • التدريب على الصكوك الدولية لحماية حقوق الإنسان ، وهي تركز بالأساس على ناشطي المنظمات الأهلية والشباب المتطوع وطلاب الجامعات وشباب المحامين.
  • التدريب على مهارات مراقبة الانتخابات ، وقد اتسعت دائرة هذه التدريبات بعد حصول المنظمات بحكم قضائي يؤيد حقها في مراقبة الانتخابات في العام 2005 ، و هناك عدد كبير من المنظمات التي تنشط في مثل تقديم مثل هذه التدريبات وهو ما ساعد على تمكين الشباب من الوقوف على الانتهاكات المرتبطة بالعملية الانتخابية والتي كانت دافعا قويا لقيام الثورة .

 تقديم الدعم القانوني للنشطاء ضحايا الانتهاكات

شهدت السنوات الأخيرة من حكم مبارك تزايدا في حالات تعرض نشطاء الحركات الشبابية للاعتقال والتعذيب أو حتى التعدي على حقهـم في التجمع السلمي ، وكانت المنظمات الحقوقية المصرية الداعم الرئيسي لهؤلاء الشباب من خلال تقديم مختلف أشكال الدعم القانوني لمن يتم اعتقاله او احتجازه منهـم ، فضلا عن رصد وتوثيق كافة الانتهاكات التي يتعرضون لها فيما يتعلق بحقهـم في تنظيم المظاهرات والدعوة للإضرابات.

 

النقد الحقوقي للأوضاع السياسية

شهدت السنوات العشر الأخيرة  تصاعد نشاط الحركة الحقوقية وتحولت إلى رقم مؤثر يصعب تجاهله أو القفز فوقه في المعادلة السياسية والاجتماعية ، وأضحت المنظمات الحقوقية بأجيالها الثلاث المحرك الحقيقي الذي يقف خلف الخطوات الإصلاحية الجزئية التي اتخذتها الدولة خلال الأعوام العشرة الماضية في الميادين السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتنظيمية ، وتجاوزت الحركة الحقوقية في ذلك كل التيارات السياسية ( الحزبية وغير الحزبية ) الموجودة على الساحة في حجم ما دفعت الحكومة لتقديمه للمواطن المصري ( جاد الكريم ، 2010 )

وقد أسهـم النقد الحقوقي للأوضاع السياسية في مصر بشكل واضح في قيام ثورة يناير ، كما أسهـم هذا النقد وما نشر بمقتضاه من تقارير  في صياغة شعارات ومطالب الثورة ، بل إن الكثيرين يروا ان الثورة في مضمونها ثورة حقوقية خالصة ،  فوفقا لتقرير حقوق الإنسان في العالم العربي لعام 2010 والذي يصدر سنويا عن مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان فإن  أسباب الثورات في الأقطار العربية  تتمثل في :-

  • التدهور الهائل في وضعية حقوق الإنسان، حتي في البلدان التي كانت أو مازالت تنعم ظاهريا بدرجات من “الاستقرار” السياسي.
  • افتقار نظم الحكم المختلفة للإرادة السياسية للنهوض بأوضاع حقوق الإنسان في بلادها.
  • الجمود علي مستوي التطور التشريعي، حيث حافظت نظم الحكم العربية علي معين لا ينضب من مخزون التشريعات المعادية لحقوق الإنسان، والتي استخدمت في التأديب والتنكيل بالخصوم، وملاحقة دعاة الإصلاح والديمقراطية وحقوق الإنسان. بل سجل التقرير في هذا الإطار أن التطورات التشريعية ـ علي محدوديتها في عام 2010 جاءت أغلبها في اتجاه مزيد من التشدد وقمع الحريات وبخاصة في مصر وتونس والسودان.
  • استمرار النهج السلطوي في تكريس الحصانة والإفلات من العقاب علي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.
  • توظيف حالات الطوارئ المعلنة وقوانين مكافحة الإرهاب في تبرير ارتكاب جرائم خطيرة، كالقتل خارج نطاق القانون والاختطاف والاختفاء القسري والاعتقال التعسفي والتعذيب والمحاكمات الجائرة، وعلي وجه الخصوص في تونس ومصر واليمن وسوريا والبحرين والمغرب والمملكة السعودية.
  • استمرار السياسات التي تكرس وتؤبد الحكم المطلق أو تمهد لتوريثه في إطار عائلي في مصر وتونس واليمن، أو تؤمن بشكل منهجي التمييز الاجتماعي والاقتصادي والإقصاء السياسي علي أسس عرقية أو طائفية أو مذهبية، وبخاصة في البحرين والمملكة السعودية وسوريا.
  • تزوير إرادة المواطنين من خلال تزييف الانتخابات العامة.

دور المنظمات  المدنية  في العمل مع الأطراف الفاعلة  في الثورة  ( أثناء  الثورة)

أولا :- حماية حق الثوار في الاحتجاج السلمي

بدأت الثورة المصرية يوم 25 يناير وقوبلت برد فعل عنيف من أجهزة الأمن المصرية حيث تم تفريق المظاهرات بالقوة واعتقال عدد كبير من النشطاء ، واستمرت هذه الممارسات القمعية لفترات طويلة بعد الثورة ، كما حدث أن أحيل عدد من النشطاء إلى محاكمات مدنية وعسكرية بتهـم يرى الكثيرون براءتهـم منها .

لذا فقد قامت العديد من  منظمات المجتمع المدني الحقوقية بدورا متميزا في الوقوف إلى جانب الثوار وتقديم الدعم القانوني  لهـم  والدفاع  عنهـم أمام الجهات القضائية بشكل تطوعي .

كما نظمت بعض المنظمات الحقوقية حملات تحت عنوان لا للمحاكمات العسكرية للمناداة بإحالة كل متهـم إلى قاضيه الطبيعي ، وقد أسفرت هذه الحملات عن قرارات للمجلس العسكري الحاكم في مصر في أعقاب الثورة بوقف إحالة المدنيين للمحاكم العسكرية .

ثانيا   :- تأدية أدوار  مجتمعية  ملحة أثناء الثورة

نظمت كثير من منظمات المجتمع المدني حملات في مختلف مناطق الجمهورية أثناء وبعد الثورة بهدف  تقديم مساعدات مادية وعينية إلى المتضررين من الأحداث الثورية  وخاصة الأسر التي فقدت عائدها اليومي من أصحاب المهن الحرة ، كما اتجهت بعض المنظمات إلى  إقامة مشروعات صغيرة توفر دخل ثابت لبعض الأسر .

فضلا عن ذلك فقد  قامت بعض المنظمات  بتنظيم حملة لتنظيف الشوارع وجمع القمامة وحملات  للتبرع بالدم ومبادرات  لتنظيم المرور فى الشوارع والميادين وحفظ الأمن من خلال  لجان شعبية.

ومن أهـم المنظمات المدنية التي كان لها دور بارز في هذه الأحداث جمعية رسالة للأعمال الخيرية التي تعاطت إيجابيا مع بعض المشكلات المجتمعية التي ظهرت بعد الثورة ومن أمثلتها مشكلة قرية صول التي شهدت توترا طائفيا نتيجة هدم احد الكنائس بالقرية حيث  سيرت الجمعية قافلة مساعدات تحت شعار مسلم ومسيحي.. يد واحدة لتوزيع 300 شنطة من المواد الغذائية لنشر روح التسامح كما تمت إقامة معارض خيرية للملابس إلى جانب قيام المتطوعين بتنظيف الشوارع وتنظيم ندوة دينية عن التسامح الديني.

كما اهتمت بعض المنظمات بقضية الشهداء والمصابين مثل جمعية الأورمان الخيرية التي  أطلقت حملة موسعة تستهدف رعاية أسر الشهداء ومصابيها وأسرهـم تتضمن ثلاثة محاور أساسية أولها محور عاجل لعلاج مصابي الثورة بالمجان وخاصة مصابى العيون وثانيها حملة لرعاية أسر الشهداء من خلال 20 رحلة عمرة لأمهات الشهداء وثالثها تقديم مساعدات عينية وتوزيع 300 طن لحوم و 20 ألف بطانية و20 طناً من المواد الغذائية للمتضررين.
وهناك منظمات ساهـمت في حملات توعية لإنقاذ بعض الأنشطة الاقتصادية التي أضيرت من الثورة ومن ذلك ما قامت به  جمعية بناة الغد التي نظمت  فعاليات حملة أهلية لتنشيط السياحة الداخلية لإعادة السياحة إلى مكانتها ودورها المؤثر فى الاقتصاد المصري.

ثالثا :- التوعية ومراقبة الانتخابات البرلمانية

شهدت مصر أول انتخابات حرة بعد ثورة 25 يناير 2011 ، وتكتسب هذه الانتخابات أهـمية كبيرة لأنها ستأتي بالهيئة التشريعية التي ستضع  دستور مصر الجديد ، كما إن هذه الهيئة ستقود عملية التحول الديمقراطي في مصر خلال السنوات القادمة .

لذا فقد حرصت المنظمات الحقوقية المصرية على تكثيف جهودها في مجال التوعية بالنظام الانتخابي الجديد الذي ستجرى على أساسه الانتخابات  وهو النظام المختلط ما بين القائمة النسبية المغلقة والفردي ، كما حرصت الكثير من هذه المنظمات على تنظيم جهودها من اجل مراقبة الانتخابات البرلمانية للتأكد من نزاهتها وضمانات مشاركة أوسع للمواطنين فيها .

ووفقا لبيانات المجلس القومي لحقوق الإنسان فقد بلغ عدد منظمات المجتمع المدنى التي تقدمت بطلب للحصول على تصاريح لمراقبة الانتخابات البرلمانية  128 جمعية ومنظمة مدنية .

ج– المنظمات المدنية وتوظيف تقنيات الإعلام الإلكتروني في الدعوة للإصلاح السياسي

أولا :- منظمات المجتمع المدني والإعلام

يؤدي المجتمع المدني دورا مهـما وكبيرا في خلق مجتمع المعرفة ،وهناك ارتباط وعلاقة جدلية مهـمة بينهـما ، اذ ان منظمات المجتمع المدني تعمل في مجال نشر وتنمية حقوق الإنسان ، وأصبحت هذه المنظمات هي الكيان المدافع عنها ، وتلعب دورا مهـما في التأثير على الرأي العام والوعي الاجتماعي والدعوة لأفكار المساواة والتعددية الثقافية والسياسية ،واحترام قيم حقوق الإنسان ، زيادة على ذلك فان منظمات المجتمع المدني تعمل في ميادين مهـمة أخرى ، تشكل مناخا ملائما لنمو المعرفة والمعلوماتية ، كالإعلام والاتصال وتكنولوجيا المعلومات ، وبالتالي فان دورها مؤثر وفعال في تحقيق التنمية ، وربط المواطن بقضاياها ، يضاف إلى ذلك، ان تعاون منظمات المجتمع المدني مع المنظمات الشعبية كالاتحادات والنقابات والجمعيات والمنظمات المهنية ، وما يتمتع به من قدرة في حشد القوى الشعبية تجعله يدفع نحو دور كبير في خلق مجتمع المعرفة .

يشترك كل من المجتمع المدني ومجتمع المعرفة في إنهـما اصبحتا مفردة مهـمة من مفردات السياسة العالمية الجديدة ، وان كل منهـما يهدف إلى تحقيق التنمية في المجتمع بكل مجالاته ، والمجتمع المدني يهدف الى تحقيق التنمية الشاملة من خلال الاستفادة من الإمكانيات والقدرات التي وفرها مجتمع المعرفة ، وبالتالي فان هدف التنمية إلي تنشده منظمات المجتمع المدني من خلال بناء مجتمع المعلومات واستخدام التكنولوجيا ، ومن خلال جمله من الفعاليات والأنشطة التي تسرع عملية التنمية ، ولكن هناك معوقات تقف أمام الترابط والتكامل في العلاقة منها ضعف البنية المعلوماتية لمنظمات المجتمع المدني وعدم امتلاكها لرؤية موحدة وواضحة لمجتمع المعرفة ( قنديل 2007)

وتهتم منظمات المجتمع المدنى بالإعلام والاتصال منذ أكثر من  30 سنة والذي كان احد مواضيع لجنة اليونسكو المختصة المكلفة عام 1977 ببحث القضايا المطروحة على الساحة آنذاك وتم استنباط معالم العولمة الاقتصادية وانعكاساتها والعلاقة بالنظام الإعلامي العالمي ومنها تم التوصل لمجموعة استنتاجات بهدف بناء المجتمع الإعلامي الجديد وعلاقة هذا بمنظمات المجتمع المدنى. وكان من مظاهر تلك العلاقة مشاركة وسائل الإعلام في التنمية وتدعيم السلم والتفاهـم الدولي وتجنب العنف والعنصرية والحروب ( قنديل 2007 )

ثانيا :- الإعلام الإلكتروني كأداة للمناصرة 

في نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات كانت بداية ما يسمى بـ الجيل الثالث لـ منظمات المجتمع المدني وهي المنظمات الحقوقية إذ كان عمل الجيل الأول يشمل ثلاثة مجالات هي: العمل الخيري الإغاثي، ومجالي عمل منظمات المجتمع المدني التقليدية وهـما المجال المطلبي في حالة النقابات والمصلحي المرتبط بـ خدمة مصالح الأعضاء في منظمات العون الذاتي القاعدي كـالتعاونيات .
وجاء الجيل الثاني لـ يشمل العمل التنموي ومشاريع التنمية الاقتصادية مثل مشاريع إدرار الدخل للـفقراء أما الجيل الثالث فقد جاء بـتحول نوعي في عمل اعداد كبيرة من منظمات المجتمع المدني وذلك بـ التوجه لــمجال حقوق الإنسان والتغيير المجتمعي الهيكلي البنيوي والكشف عن الأسباب الجذرية لـانتهاكات حقوق الإنسان والهياكل التي تنتج الفقر والإفقار والتهـميش والإقصاء والإخضاع بـكل أنواعه والسعي لـ إزالة هذه الأسباب الجذرية المرتبطة بـهياكل السلطة والثروة

لـتحقيق أهداف ومبادئ ومضامين منظمات المجتمع المدني سابقة الذكر وتطبيقها  على أرض الواقع ابتدعت هذه المنظمات وسائل وأدوات وآليات صارت مفاهيمها ومصطلحاها جزءاً ثابتاً ومهـماً من قاموس المجتمع المدني وقاموس العمل العام كـالمناصرة advocacy  والتشبيك networking والتخطيط الاستراتيجي  strategic planning ( بلال 2006)

تعنى المناصرة في السياسة والتنمية  كسب التأييد والحشد لقضية سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية أو لـ قضية فئة اجتماعية بـهدف إحداث تغيير في واقع هذه الفئة وقضاياها ومشاكلها

وفي الوقت الحالي تعد وسائل الإعلام الإلكتروني أحد أهـم وأكثر وسائل المناصرة والحشد فاعلية  ، ففي ثورات الربيع العربي استخدم المتظاهرون والناشطون الشباب شبكات الإعلام الاجتماعي لنشر المعلومات بسرعة لم يسبق لها مثيل. وقام المواطنون والمراسلون باستخدام هذه الأدوات ناقلين الأحداث لحظة بلحظة، محدثين تحوّلاً جذرياً في الصحافة التقليدية

ثالثا :- منظمات المجتمع المدني المصرية وتوظيفها للإعلام الإلكتروني

توسعت منظمات المجتمع المدني المصرية في استخدامها لوسائط الإعلام الإلكتروني في عمليات الحشد والمناصرة والدعوة وكسب التأييد للقضايا الحقوقية التي تعمل عليها ، ولم تقف هذه الاستخدامات عند حد إنشاء المواقع الإلكترونية التقليدية ولكنها استفادت بشكل موسع من تطبيقات الانترنت وهو مكنها من  على التواصل مع الفئات المؤثرة الصانعة والمشاركة في ثورة 25 يناير ، ويمكننا أن نرصد أهـم ملامح ذلك فيما يلي :-

  • إنشاء وإدارة حسابات ومجموعات وصفحات على المواقع الاجتماعية وبالتحديد تويتر ، وفيس بوك ، فالغالبية العظمى من منظمات المجتمع المدني الحقوقية والتنموية تمتلك مثل هذه الحسابات وتديرها بفاعلية ، كما أن كثير من المنظمات دشنت صفحات ومجموعات خاصة لحملات معينة كالتوعية الانتخابية ، مناهضة المحاكمات العسكرية ، الحشد لتغيير الأطر التشريعية المخالفة لمعايير حقوق الإنسان …….. الخ .
  • إنشاء إذاعات إلكترونية على شبكة الانترنت ، فهناك أربعة إذاعات على الأقل مملوكة لمؤسسات مدنية حقوقية وهي راديو حقوق ، راديو حريتنا ، راديو ماعت ، راديو المحروسة .
  • إنشاء الشبكات المعلوماتية المعنية بقضايا حقوق الإنسان ، ومن أهـم المبادرات النشطة في هذا الميدان الشبكة العربية لمعلومات حقوق الإنسان ، شبكة مدنية ( المؤسسة العربية لدعم المجتمع المدني ، مركز دعم لتقنية المعلومات .
  • توظيف تكنولوجيا المعلومات في عمليات مراقبة الانتخابات ، ومن أهـم المبادرات في هذا الشأن استخدام نظم المعلومات الجغرافية في مراقبة الانتخابات ( الجمعية المصرية لدعم التطور   الديمقراطي ) ، استخدام  تقنية الرسائل القصيرة في مراقبة الانتخابات ( المجلس القومي لحقوق الإنسان) .

المحور الثالث :- دور المجتمع المدني في إعادة بناء النظام الجديد – تصور مستقبلي

  • :- المجتمع المدني في مواجهة التحديات:
  • إعادة التوازن السياسي

ثورة 25 يناير 2011 أسقطت نظاما سياسيا ظل يحكم مصر  لمدة تزيد عن أربعة عقود ، تم خلالها محاصرة وتدجين كافة القوى السياسية الشرعية الأخرى وتهـميش وإضعاف القوى السياسية الفاعلة والمؤثرة في الشارع المصري ، كما شهدت هذه العقود الأربعة إبعادا متعمدا للغالبية العظمى من المصريين  عن المشاركة الحقيقية في إدارة الشأن العام .

ولنجاح عملية التحول الديمقراطي من المهـم إعادة التوازن السياسي إلى الساحة المصرية مرة أخرى ، وفي هذا الشأن يقع على عاتق منظمات المجتمع المدني مهـمة في غاية الخطورة والحيوية ، ويمكن لهذه المنظمات ان تؤدي هذا الدور من خلال تعزيز أنشطتها في المجالات التالية :-

التنشئة السياسية

تعتبر مؤسسات المجتمع المدني مدارس للتنشئة السياسية على الديمقراطية, وتلعب دوراً بارزاً في تدريب أعضائها على الفنون والمهارات اللازمة للممارسة الديمقراطية في المجتمع الأكبر. ويمكن للمنظمات المدنية أن تقوم بذلك من خلال آليتين ، أولهـما  قواعد عملها الداخلية التي يفترض أن تكون مشابهه لقواعد الديمقراطية في المجتمع ككل حيث الحقوق والواجبات والمشاركة في الانتخابات, وقبول النتائج, والتعبير عن الرأي, والاستماع إلى الرأي الأخر, والتصويت على القرارات, وكلها قواعد ضرورية للممارسة الديمقراطية يتعلمها العضو من المؤسسة التي ينتمي إليها .

والآلية الثانية تتمثل في تنفيذ المنظمات لأنشطة توعوية وتدريبية تستهدف فئات مختلفة من المجتمع المحيط بما يخلق أجيالا مثقفة سياسيا ومؤهلة للمشاركة السياسية الإيجابية في المجتمع .

ضبط عملية الممارسة الديمقراطية .

إلى جانب السلطات القضائية والتشريعية والتنفيذية  تقوم مؤسسات المجتمع المدني بتحديد وضبط واحتواء بعض التجاوزات التي يمكن أن تبرز من العملية الديمقراطية. حيث هناك العديد من الأمثلة على تجارب ديمقراطية (انتخابية) تحولت إلى  الفوضى, وحتى إلى حروب أهلية نتيجة لغياب رقابة المجتمع المدني وسلطة القانون.

فالمنظمات المدنية تعد رقيبا مستقلا ومحايدا على آليات الممارسة الديمقراطية ويمكنها أن تطلق جرس الإنذار عندما ترى هذه العملية قد حادت عن مسارها أو شهد تغولا من الأكثرية على حريات وحقوق الأقلية ، ومن أكثر المنظمات التي يمكنها لعب دور محوري في هذه العملية هي المنظمات الحقوقية بحكم أن مرجعيتها الأساسية هي الصكوك الدولية لحقوق الإنسان وفي القلب منها الحقوق المدنية والسياسية .

كما  تلعب مؤسسات المجتمع المدني دوراً بارزاً في اثناء العملية الديمقراطية وتحافظ على تنوعها وتحد من نفوذ وتأثير الحركات الشعبوية التي تستغل مشاعر السكان البسطاء وخصوصاً المشاعر العرقية والدينية لأهداف انتخابية.

ولطابع مؤسسات المجتمع المدني المبنية على أسس غير طائفية أو دينية أو عرقية أثر فعال في تطوير روح التسامح وتقبل الأخر والابتعاد عن التعصب الديني والقبلي, وتلعب دوراً تثقيفياً كبيراً لأعضائها وغيرهـم وتمنحهـم القدرة على تحديد موقفهـم الانتخابي على أسس ديمقراطية بعيدة عن روح التعصب. وتساهـم مؤسسات المجتمع المدني بالمحافظة على التعددية السياسية والثقافية, وتجعل من الصعب على أي حزب أو جهة سياسية احتكار الساحة السياسية وفرض برامجها وتوجهاتها, وتحد من احتمالات فوز بعض الأحزاب بأغلبية شاسعة, وما يترتب عن ذلك من مخاطر محتملة.

 حماية الحق في حرية التنظيم السياسي

في نوفمبر 1976 تحول النظام السياسي المصري من صيغة التنظيم السياسي الوحيد إلى صيغة التعددية الحزبية .. وخلال السنوات التالية لهذا  التحول وحتى ثورة يناير 2011  ثبت أن هذه الصيغة لا تتعدى أن تكون تعددية حزبية مقيدة أو أنها نظاما للحزب الواحد في قالب تعددي حيث كانت  هناك قيودا سياسية وقانونية يفرضها قانون الأحزاب ولجنة شئون الأحزاب على تكوين الأحزاب والجمعيات المهتمة بالسياسة كما كانت  هناك قيودا سياسية وقانونية على حرية حركة الأحزاب وعلى حرية الصحف الناطقة باسمها.

وبعد ثورة 25 يناير 2011 صدرت تعديلات على قانون الأحزاب السياسية أفضت على زيادة غير مسبوقة في عدد الأحزاب وإقبال متنامي على تكوين والانضمام إلى الأحزاب السياسية ، حتى وصلت عدد الأحزاب السياسية إلى الآن قرابة ال50 حزب سياسي .

ويجب أن تلعب المنظمات المدنية دورا فاعلا في الحفاظ على وحماية الحق في التنظيم السياسي وتكوين الأحزاب والانضمام إليها  باعتبار أن الأحزاب هي الوعاء الجامع لتنظيم الممارسة السياسية والمستوعب للمشاركة السياسية الإيجابية  ، ومن أهـم ما يمكن أن تقوم به المنظمات المدنية في هذا الشأن ما يلي :-

  • رصد حالة الممارسة الحزبية وكشف الانتهاكات للرأي العام وصناع القرار .
  • مساعدة ضحايا انتهاكات الحق في حرية التنظيم .
  • تدريب كوادر المؤسسات الحزبية على آليات الممارسة السياسية الإيجابية .

الحفاظ على وحدة المجتمع

لعل هاجس الوحدة الوطنية هي الهاجس الرئيسى الذي يشغل السياسيين والاجتماعيين، وصناع القرار السياسي والسلطة التنفيذية والتشريعية في الوقت الراهن. فالوحدة الوطنية كما يعتبرها الجميع هي الخط الأحمر الذي لا يسمح لأحد أن ينال منها، وهي الهدف الرئيس الذي تتجمع من خلاله كافة الفئات والشرائح الاجتماعية داخل المجتمع لتحقيقه. فهي الشعار الذي يرفعه الجميع دون استثناء، وهي المقولة التي لا يقبل أي طرف من الأطراف أو أي من الفئات أن تشعر بأنها تسعى بصورة مقصودة أو غير مقصودة في هدمها، أو شق جدرانها المبنية عليها، أو زعزعة بناءها.

ويلعب المجتمع المدني دورا محوريا في قضية الوحدة الوطنية ، حيث يشير سعد الدين إبراهيم إلى أن المجتمع المدني الذي يلتزم بمجموعة من القيم والمعايير المرتبطة ” بالاحترام والتراخي والتسامح والإدارة السليمة للتنوع والاختلاف ” إلى أنه ـ أي المجتمع المدني ـ يرتكز على ثلاثة أركان رئيسية أساسية ، المتمثلة في الإرادة الحرة لأفراده ، والتنظيم الجماعي المبني على شروط التراضي ، بالإضافة إلى أن ” للمجتمع المدني ركن أخلاقي ، وسلوكي ، ينطوي على قبول الاختلاف والتنوع بين الذات والآخرين ، وعلى حق الآخرين في أن يكونوا منظمات تحقق وتدافع عن مصالحها المادية والمعنوية ، والالتزام بإدارة الاختلاف داخل وبين منظمات المجتمع المدني بعضها البعض ، وبينها وبين الدولة بالوسائل السليمة المتحضرة ، أي بقيم المجتمع المدني وضوابطه المعيارية ، وهي قيم الاحترام ، والتسامح ، والتعاون ، والتنافس ، والصراع السلمي ( إبراهيم ، 2000)

وفي مصر هناك عدد من المشكلات المجتمعية المتعلقة بالوحدة الوطنية التي طفت على السطح بعد ثورة 25 يناير 2011 ، ومن أهـم هذه المشكلات أزمة التوتر الطائفي ، مطالب أبناء النوبة ، مطالب البدو وسكان سيناء .ويمكن لمنظمات المجتمع المدني أن تلعب دورا مهـما لمواجهة مثل هذه المشكلات التي تهدد وحدة المجتمع  كالتالي :-

  • العمل على نشر ثقافة التسامح وقبول الآخر واحترام مبدأ المواطنة من خلال توعية النشء والشباب وتنفيذ البرامج التدريبية واللقاءات المشتركة على كل المستويات
  • تصحيح الفهـم الخاطئ لبعض النصوص الدينية الذي يدفع للتعصب وكراهية الآخر من خلال التدخل المباشر مع رجال الدين
  • الدعوة وكسب التأييد لتنقية مناهج التعليم والمحتوى الإعلامي من كل ما يدعو للكراهية  ونبذ الآخر المختلف دينيا وعرقيا وقبليا
  • تنمية روح العمل التنموي الجماعي والتطوعي في المجتمعات المحلية
  • المساهـمة في تحسين المستويات المعيشية والقضاء على الفقر الذي ينتج ثقافة التعصب والكراهية والعنف

 

  • تحقيق التنمية (مواجهة التحديات الاجتماعية والاقتصادية)

انخفاض معدل التنمية وزيادة نسبة الفقراء كانت من أهـم أسباب قيام ثورة 25 يناير 2011 التي جعلت شعارها ” عيش وحرية وكرامة إنسانية ”

تعد مصر واحدة من الدول العربية الأكثر معاناة من الفقر. ورغم تباين التقديرات الرسمية وغير الرسمية بشأن نسبتها، إلا أنها تبقى مرتفعة بشكل ملحوظ وتتركز في الأرياف أكثر من الحضر،  فتشير تقديرات المجالس القومية المتخصصة في مصر إلى أن 46% من المصريين -خاصة منهـم النساء والأطفال- لا يحصلون على الطعام الكافي ويعانون من سوء التغذية.وتفيد التقديرات المنشورة عام 2009 إلى أن 35% من النساء و53% من الأطفال في مصر لا يحصلون على الطعام اللازم مما يشكل خطورة على هاتين الفئتين اللتين تعدان الأكثر هشاشة. ( الجزيرة ، 2011 )

وتتفاوت نسبة الفقر ما بين المحافظات الحضرية (6.6%) والمناطق الريفية (41.4%). ووفقًا لأحدث تقرير عن “خريطة الفقر” التي أصدرتها وزارة التنمية الاقتصادية فقد بلغ عدد القرى الأكثر فقرًا 1141 قرية.ويبين أحدث تقرير صادر عن التنمية البشرية بالوطن العربي لعام 2010 أن نسبة الفقر في مصر – التي يقارب سكانها ثمانين مليونا- تبلغ 41%.

ويتبين من خريطة الفقر التي تضمنها التقرير أن أكثر من مليون أسرة فقيرة تعيش في الألف قرية الأكثر فقرًا، ويبلغ إجمالي عدد سكانها خمسة ملايين نسمة يمثلون 46% من إجمالي سكان هذه القرى،  وأوضح أن نسبة الفقراء في هذه القرى نحو 54% من إجمالي سكان الريف الفقراء في مصر، ونحو 42% من إجمالي السكان في الجمهورية مشيرا إلى أن ثلاث محافظات بالوجه القبلي (أسيوط والمنيا وسوهاج) تضم 794 قرية يشكل فيها الفقراء 82% من إجمالي عدد الفقراء بالألف قرية الأكثر فقرًا. ( الجزيرة ، 2011 )

ويوضح التقرير أن نسبة غير المتعلمين بالفئة العمرية (18–29 سنة) تصل إلى 27%، مبينا أن أكثر من 20% من الأطفال يعانون من العديد من أوجه الحرمان، وفق دراسة لليونيسيف عن “فقر الأطفال والتفاوت في مستويات معيشتهـم عام 2010  ،  وأشار التقرير إلى أن حوالي 20% من السكان ضمن الفئات الفقيرة التي تعاني من صعوبة في الالتحاق بالمدارس، وأن الشباب الفقير يلتحق بأي وظيفة متاحة، سواء كانت مؤقتة أو موسمية  كمخرج من الفقر. ( الجزيرة ، 2011 )

لذا فإن منظمات المجتمع المدني مطالبة بأن تلعب دورا محوريا في قضية القضاء على الفقر ومساعدة المواطنين المصريين على الارتقاء بمستويات معيشتهـم وتحسين جودة الخدمات العامة المقدمة إليهـم ، ومن أهـم المحاور التي يمكن العمل عليها في هذا الإطار ما يلي :-

أولا :- التوسع في تقديم التمويل متناهي الصغر

الجمعيات الأهلية العاملة فى مجال التمويل متناهى الصغر تعمل على مساعدة قطاع عريض من المجتمع للتغلب على الفقر عن طريق مساعدتهـم فى الوصول الى تمويل لمشاريعهـم الانتاجيه من خلال قروض صغيره يتم تسديدها على فترات قصيرة وملائمة لنمط حياة الفقراء العاملين. وتستهدف مؤسسات التمويل متناهى الصغر الطبقة العاملة من الفقراء المعوزين مما يساعد على سد فجوة تمويلية ناشئة عن اتجاه البنوك التجارية للتعامل مع الطبقات غير الفقيرة.

ويمكن لهذه الجمعيات ان تتعاون مع البنوك والجهات المانحة ومؤسسات التمويل الاجتماعي الدولية والمحلية في تقديم هذه القروض مستفيدة من تمركزها على المستوى المحلي بشكل يساعدها على متابعة هذه القروض وتقديم الدعم والمشورة للمقترضين بالشكل الذي يؤدي لتعظيم الفائدة منه

وما يساعد على نجاح المنظمات المدنية المصرية في هذا الشأن  كون الإقراض متناهي الصغر أصبح  توجهاً دولياً سائداً حيث درجت المنظمات والمؤسسات العاملة في مجال التنمية تضمينه سياساتها وبرامجها ، نظراً لما ثبت عن هذا التوجه من كونه الأداة الأقوى والأكثر فاعلية لمكافحة الفقر وتحقيق الهدف الذي حددته قمة الإقراض بالوصول إلى مائة مليون من أشد الأسر فقراً في العالم بحلول العام 2005م وتخفيض نسبة الفقر إلى 50% بحلول العام 2015م ، إسهاماً في بلوغ الأهداف الإنمائية للألفية الثالثة.

ولعل إعلان الأمم المتحدة العام 2005م سنة دولية للإقراض متناهي الصغر ، يأتي تأكيداً لأهـمية هذه الآلية ودورها الحيوي في تجفيف منابع الفقر . كما أن من أصدق الدلائل على جدوى الإقراض متناهي الصغر على المستوى الدولي ، إنشاء العديد من قطاعات التمويل بهدف الوصول إلى ملايين الفقراء على مستوى العالم، ونجاحها في تزويدهـم بالخدمات المالية والتخفيف من حدة الفقر بينهـم ، وبصورة خاصة بعد أن أثبتت التجارب أن شريحة أفقر الفقراء لها القدرة على استخدام خدمات الإئتمان بتكلفة مالية محدودة ، مدحضة بالتالي القناعات السائدة عن عجز تلك الفئة من الاستفادة من خدمات الإقراض ، وارتفاع تكلفة تقديم الخدمات المالية إليها .

 ثانيا :- التوسع في تقديم الخدمات الاجتماعية ( التعليم – الصحة)

مستوى الخدمات الصحية والتعليمية من أهـم محددات التنمية في المجتمع ، لذا يجب أن تهتم المؤسسات الأهلية بالمساهـمة الفعالة في تقديم الخدمات التعليمية والصحية من خلال التوسع في مجهودات محو الأمية واستيعاب المتسربين من التعليم الرسمي  وتحسين حالة المدارس وتجهيزاتها ، فضلا عن إنشاء وغدارة المدارس والجامعات الأهلية .

ومن النقاط الجيدة التي يمكن البناء عليها في هذا الصدد أن هناك اهتمام متنامي من الجمعيات الأهلية بالعمل في النواحي التعليمية خلال السنوات العشر الماضية   ، حيث أن هناك الكثير من   الجمعيات تهتم بمكافحة الأمية و تدير فصول لمحو الأمية خاصة في المناطق الريفية ، وتركز هذه الفصول على الشابات الأميات ممن تسربن من التعليم النظامي في سنوات سابقة    ، كما إن هناك شراكات بين وزارة التربية والتعليم وبعض الجمعيات الأهلية فيما يتعلق بتطوير المدارس ومكافحة ظاهرة التسرب منها ، وتشير  آخر البيانات المتاحة إلى أن  شبكة الجمعيات الأهلية المتعاونة مع وزارة التربية والتعليم بلغت  619 منظمة ، حيث  نفذت بالقاهرة والمحافظات 1212 مشروعًا تهدف إلى خدمة العملية التعليمية على مدار الفترة من 1999 حتى 1/5/2005، بحجم تمويل إجمالي يقترب من مائة مليون  جنيه مصري، استفاد من هذه المشروعات  حوالي مليون وتسعمائة ألف  تلميذًا بمدارس الجمهورية وفى المراحل التعليمية المختلفة   ( وزارة التربية والتعليم ، 2010 ) .

وبالنسبة لتقديم الخدمات الصحية فإن الجمعيات الأهلية المصرية يمكنها البناء على تجارب سابقة أثبتت نجاحا خلال السنوات العشر الماضية  ، فقد كشفت  استمارات فروع المجلس القومي للمرأة التي تمثل الدليل الاسترشادي لتنفيذ الأهداف الإنمائية للألفية  ، عن أن الجمعيات الأهلية التي تقدم الخدمة الصحية ، تأتي في أغلب الأحوال في المرتبة الثانية بعد الجهات الحكومية . ويفسر ذلك انتشارها الواسع وسط القواعد الشعبية ، وتقديمها خدمة صحية بنوعية عالية ، وإن مقابل الخدمة الصحية إن وجد ، يغطي فقط تكلفة الخدمة . هذا ولم تتوافر بيانات شاملة عن إعداد المستفيدين من الخدمات الصحية عامة والصحة الإنجابية خاصة ، إلا أن البيانات المتوافرة في المسح الصحي الشامل تشير إلى أنه لا يقل عدد المستفيدين من الخدمات الصحية للجمعيات عن 16% من إجمالي طالبي الخدمة الصحية ، وهو مايشير إلى عدة ملايين

ويمكن للمنظمات الاهلية في سبيل توسعها في هذه الخدمات أن توظف ميل المصريين – كأفراد –  إلى تقديم تبرعات لإنفاقها  في الأعمال الخيرية المختلفة  ،  وقد أشار تقرير حديث صادر عن مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء المصري إلى أن أعداد الأسر المصرية التي شاركت بأموالها ومجهوداتها في أعمال. الخير بلغ نحو 15.8 مليون أسرة خلال عام 2009، بنسبة 86.7% من إجمالي أسر الجمهورية. وقد بلغ تقدير إجمالي ما تنفقه هذه الأسر على العطاء الخيري نحو 4.5 مليار جنيه سنوياً، وهناك 45.5% مِن الأسر المصرية التي تقوم بأعمال خيرية يدفعون صدقات أو مساعدات أو هبات، بينما 21.6% يقومون بدفع تبرعات, وقد بلغ تقدير إجمالي حجم التبرعات والصدقات نحو 2.5 مليار جنيهاً سنوياً. بينما بلغ متوسط ما تنفقه الأسرة على التبرعات والصدقات سنويا نحو 271 جنيهاً, وتصل إلى 343 جنيه في الحضر, وتنخفض لتصل إلى نحو 195 جنيه في الريف ( مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء ، 2010 ) .


ثالثا :- حشد وتعبئة جهود المجتمعات المحلية لتنفيذ مشروعات البنية الأساسية

تعد منظمات المجتمع المدني في المجتمعات المحلية  من الركائز الأساسية فى إطار منظومة التنمية الشاملة والمستدامة التي تعمل على الارتقاء والنهوض بالمجتمع المحلي  سياسياً واجتماعيا ًواقتصادياًُ وصحياً وثقافياً وذلك من خلال تنمية الإمكانيات المحلية وحشد وتعبئة الطاقات البشرية والمادية لتحسين أوضاع المجتمع المحلي  . 

ومن المهـم أن تركز المنظمات الأهلية المحلية على تعبئة الجهود المحلية لتنفيذ مشروعات البنية الأساسية ( المياه – الصرف الصحي – الكهرباء – تمهيد الطرق .. الخ ) نظرا لما تتطلبه هذه المشروعات من تكاليف مرتفعة لا تنجح الحكومات وحدها في الوفاء الكامل بها  ويتطلب الأمر مساهـمات فعالة من المجتمع المحلي ،  ونظرا لحاجة هذه المساهـمات إلى تنظيم واطر مؤسسية تستوعبها فإن المنظمات الأهلية المحلية تستطيع توفير هذه الأطر المؤسسية .

الإشكاليات المؤسسية والتنظيمية ( التحديات )

رغم أهـمية الدور الذي يجب أن تلعبه منظمات المجتمع المدني في مواجهة التحديات السابقة ، ورغم بروز المنظمات المدنية  في الخطاب السياسي والأكاديمي والإعلامي في الداخل والخارج ، ورغم الانتشار والازدهار الذي شهدته تنظيمات المجتمع المدني المصري  في العقود الأخيرة ممثلاً في ازدياد أعداد الجمعيات والمؤسسات المسجلة واتساع نطاق نشاطها، تعاني هذه التنظيمات المدنية في مجملها من العديد من القيود والتحديات التي تحد من دورها، والتي يمكن تلخيصها في مجموعتين ( السمالوطي ، 2011 ) :

المجموعة الأولى: القيود الخارجية.

أبرز هذه القيود الخارجية ما يتعلق بمساحة الحريات السياسية والعامة المتاحة ، حيث تظل، رغم التطورات الإيجابية التالية لثورة 25 يناير 2011  التي شهدتها البلاد محدودة مقارنة بكثير من دول العالم الأخرى. فسلطة الدولة مازالت مطلقة وغير خاضعة للمساءلة أو التداول ، وتستخدم الحكومات أكثر من آلية لضمان سيطرتها على مؤسسات المجتمع المدني.

أولها:

آلية التشريع بما تفرضه من قيود بالنسبة للتسجيل والإشهار، وما تتضمنه من سلطة حل الجمعيات، وتعدد صور الإشراف والرقابة على النشاط، ومن عقوبات مختلفة، بشكل يسمح بحصار النشاط الأهلي وعدم إفلاته من قبضة السلطة.

ثانيها:

الحد من الحريات والحقوق الأساسية لا سيما ما يتعلق بحرية التنظيم وحرية الرأي.

ثالثهـما:

احتكار الإعلام بشكل يقيد من دور الإعلام الحر والمستقل (والذي هو جزء من المجتمع المدني) في نشر قيم الثقافة المدنية من حوار وتسامح وتضامن اجتماعي وتنافس سلمي والتي هي دعائم أساسية في نمو وتطور المجتمع المدني.

وتنعكس هذه القيود، التي تفرضها السلطة، بشكل سلبي على عديد من مظاهر الضعف الداخلي التي تعاني منها منظمات المجتمع المدني سواء في سعيها لتوسيع نطاق عضويتها أو إفراز قيادات جديدة أو تطوير أشكال جديدة للعمل الجماعي.

ومن  هذه القيود الخارجية أيضا ، ما يتعلق بإشكالية التمويل. ويعد مدى توافر التمويل وشروطه واحداً من أهـم محددات نشاط منظمات المجتمع المدني. حيث يتوقف نشاط الغالبية من هذه المنظمات على وجود مصادر تمويل ثابتة تضمن بقاءها واستمرارية أنشطتها ، ويمكن تلخيص هذه الإشكالية في إطارها العام فيما يلي:

  • مشروطية التمويل الأجنبي وحصاره من جانب الدولة.
  • ضعف مستوى التمويل الوطني وتشتت أولوياته.
  • عدم تكافؤ الفرص في الوصول إلى مصادر التمويل.

وهي إشكالية كانت ومازالت قائمة وترتبط بدرجة أو بأخرى بقيود السلطة التي تناولناها فيما سبق. ذلك أن الأنظمة التي تضيق على العمل الأهلي، والحقوقي بشكل خاص على مستوى التشريع والممارسة لا يتصور أن تعمل على توفير الشروط المطلوبة لدعم هذا القطاع.

فالتمويل الأجنبي له شروطه. وهو محاصر بخضوعه لموافقة الحكومات. ومستوى التمويل الوطني لا يفي باحتياجات منظمات المجتمع المدني سواء بسبب ضعف ثقافة العطاء أو الانحياز للعطاء الخيري دون غيره. أضف لذلك أن التشريعات والقوانين الجاري العمل بها لا توفر تشجيع أو تسهيلات كافية للمؤسسات الوطنية المانحة لتقوم بدورها في دعم المنظمات الأهلية. وعلى الجانب الآخر، تشير الممارسات الواقعية إلى تفاوت فرص هذه المنظمات في الوصول إلى مصادر التمويل المناسبة بما نشهده من تدفق المنح والمساعدات على منظمات دون أخرى.

المجموعة الثانية: القيود الداخلية.

بالإضافة لما أشرنا إليه من قيود خارجية، هناك العديد من القيود الداخلية التي لا تقل – بل قد تزيد – أهـمية في التأثير على قدرة منظمات المجتمع المدني على أداء أدوارها المأمولة بفاعلية. وأهـم هذه القيود ما يتعلق بضعف القدرات البشرية والفنية والتنظيمية لهذه المنظمات .. والتي تنعكس فيما يلي:

  • عدم وضوح الرؤية والأهداف.
  • قصور الممارسة الديمقراطية والميل للعمل الفردي.
  • ضعف القدرات التنظيمية وغياب مؤشرات الإدارة الرشيدة، وأهـمها عدم إتباع منهج عملي لتقييم الأعمال وبشكل دوري.
  • الخبرة المحدودة في بناء الشبكات والشراكات الداعمة للعمل الجماعي.

وفي التأكيد على أهـمية وزن التحديات الداخلية، تجدر الإشارة إلى ما كشفت عنه الدراسات الخاصة بقياس فاعلية أداء منظمات المجتمع المدني في عديد من البلاد العربية من نتائج. حيث توصلت إلى أن القدرات البشرية هي العامل الحاسم في فاعلية العمل الأهلي. وأن توافر التمويل وحدة لا يحقق النجاح والفاعلية في غياب قدرات بشرية تملك رؤية واضحة وقدرة على الابتكار والإبداع وإمكانات التخطيط الاستراتيجي وآليات الإدارة الكفء لأنشطة المنظمة.

فإذا كان الهدف هو عطاء عربي أكثر فاعلية، فإن هذه النتائج يجب أن تنعكس على سياسات المؤسسات المانحة فيما يتعلق بإعادة ترتيب أولوياتها بين المنح المخصصة للمشروعات وتلك المخصصة لبرامج بناء القدرات داخل منظمات المجتمع المدني.

القصور التشريعي كاحد أبرز التحديات أمام المنظمات المدنية المصرية

يرى الكثيرون أن منظمات المجمع المدني في  مصر تواجه بعقبات وتحديات  تشريعية وسياسية تحد من استقلاليتها وتنتقص من قدرها على أداء دورها بفاعلية وكفاءة ، حيث أن هناك قطاع  عريض  من الباحثين والمهتمين وأصحاب المصلحة يرون أن القانون 84  لسنة 2002 الحاكم لعمل المنظمات الأهلية غير ملائم ويحتاج لإجراء تعديلات عليه .

وهناك مطالبات متنامية بضرورة ان يراعي القانون الجديد للجمعيات ألأهلية  مجموعة من  المعايير ، أبرزها  أن يتم تكوين الجمعيات عن طريق الإخطار، وضرورة رسم علاقة متوازنة بين جهة الإدارة والجمعيات ترفض الوصاية على العمل الأهلي، وأن يكون القضاء هو الحكم في أي خلاف يقع بين جهة الإدارة والجمعيات الأهلية، كما يجب أن يخلو التشريع من  عقوبات جنائية على النشاط  التطوعي. وان يحرر الجمعيات الأهلية من هيمنة وسيطرة وبيروقراطية موظفي الحكومة وأجهزتها .

ويرى الكثيرون أن القوانين التي تنظم  العمل الأهلي في مصر مشكلتها إنها تأتي  ضمن سلسلة من التشريعات المقيدة لحق تنظيم وتكوين المجتمع المدني، من أحزاب، ونقابات مهنية وعمالية، وروابط واتحادات، ففلسفة المشرع المصري منذ 1952 في إصدار التشريعات والقوانين المنظمة للمجتمع المدني هي فرض جهات تابعة للسلطة التنفيذية للتدخل في شئون المنظمات المدنية، فتصبح لها اليد العليا في السماح لها بالتكوين وتعيق حقها في إدارة شئونها، فوزارة التضامن الاجتماعي في قانون الجمعيات الأهلية تقوم بنفس دور لجنة شئون الأحزاب في قانون الأحزاب السياسية 40 لسنة 1977، واللجنة القضائية في القانون 100 لسنة 1993 للنقابات المهنية، ووزارة الشباب في النوادي الرياضية، وشئون الطلبة في الجامعات المصرية، ووزارة القوى العاملة في النقابات العمالية، فهي جهات إدارة يسمح لها القانون بالتدخل في حالة محاولة مؤسسي تلك المنظمات لتحقيق الاستقلالية لمنظماتهـم، بالإضافة إلى فلسفة المشرع في إحداث فراغ تشريعي في مصر لا يسمح لعدد من الجمعيات السلمية من التنظيم والتكوين وممارسة الأنشطة، إلا بالانطواء للقوانين المنظمة للأحزاب السياسية، أو النقابات العمالية والمهنية، أو الجمعيات الأهلية، فهناك عديد من الأنشطة المدنية السلمية لا تتناسب طبيعتها مع طابع العمل الحزبي أو النقابي أو الأهلي القوانين المنظمة لهـم في مصر،

مثل منظمات حقوق الإنسان، ونوادي القضاة، ونوادي أعضاء هيئات التدريس، وغيرها من الروابط والاتحادات الأخرى، التي تحتاج إلى تشريعات وقوانين تراعي طبيعة نشاطها، ثم نأتي إلى إشكالية عدم احترام السلطة التنفيذية في مصر للقوانين على الرغم من إنها هي التي تساهـم في تفصيلها عن طريق سيطرتها على السلطة التشريعية، فالسلطة التنفيذية في مصر لا تحترم قاعدة تدرج القواعد القانونية والتي تعلو فيها سلطة القوانين على سلطة الإدارة.

وتشير المنظمة المصرية لحقوق الإنسان إلى أن القانون رقم 84 لسنة 2002 حاملاً في جنباته العديد من الإجراءات أو الأدوات التي من شأنها أن تحفظ للجهة الإدارية قدرتها على الإشراف والتدخل في تحديد هامش الحركة الممنوح للجمعيات الأهلية، وهو ما تجلى في تباين وجهتي نظر الجهة الإدارية ونظر الرافضين للقانون حول المادة رقم 42 الخاصة بإعطاء حق حل الجمعيات إلى الجهة الإدارية، والمادة رقم 2 التي تنص على اختصاص القضاء الإداري في نظر منازعات الجمعيات والمؤسسات الأهلية، فبموجب القانون تقوم الجهات الإدارية بالإشراف والتدخل في عمل الجمعيات الأهلية بداية من بحث وفحص مدى توافر شروط تأسيس الجمعية من عدمه والغرض من قيامها وشروط عضويتها وانتخاب مجالس إداراتها وانتهاء بفحص ومراقبة ممارساتها وميزانياتها ومدى التزامها بميدان ومجال نشاطها وكيفية استغلال واستثمار أموالها.

ومن ناحية أخرى، تعبر مواد القانون عن إستراتيجية الدمج الوظيفي التي انتهجتها الدولة منذ أواخر الخمسينيات؛ فالقانون الجديد يشجع ويعطي إعفاءات إلى ما يزيد عن 99% من أعداد الجمعيات ـ البالغ عددها16.600 جمعية ـ وهي الجمعيات العاملة في مجال المساعدات الاجتماعية والتنمية المحلية، أما العدد الباقي من الجمعيات فيتعلق بالجمعيات الدفاعية وخاصة تلك المرتبطة بحقوق الإنسان، فهي لا تحظى بنفس القدر من الاهتمام، فبرغم صعوبة الفصل بين الأداء التنموي من جانب، والممارسة الديمقراطية والأداء السياسي من جانب آخر،

فإن التباين بين أولويات الحكومة ومؤسسات المجتمع المدني ككل، وليس الجمعيات الأهلية فقط، قد فرض العديد من القيود والصعوبات على نشاط بعض أنواع الجمعيات؛ الأمر الذي يمكن تلمسه في غلبة الطابع الخدمي والخيري على دور الجمعيات الأهلية حتى الآن ( المنظمة المصرية لحقوق الإنسان ، 2003)

الخاتمة والتوصيات

ينتظر أن تؤدي منظمات المجتمع المدني المصرية دورا محوريا خلال مرحلة بناء النظام الديمقراطي التي بدأت بعد ثورة 25 يناير 2011 ،  وقد عرضت الورقة الحالية لرؤية استرافية بشان الادوار التي يمكن ان تؤديها هذه المنظمات  مع عرض للإشكاليات والتحديات التنظيمية والتشريعية والمؤسسية التي تعترضها  وتحد من قدرتها على لعب هذا الدور ، لذا فإننا نوصي في نهاية هذه الورقة بمجموعة من الإجراءات الأزمة لتعزيز دور المنظمات المدنية المصرية خلال المرحلة المقبلة ، واهـم هذه التوصيات ما يلي :-

  • إعداد قانون جديد يحكم عمل المنظمات الاهلية في مصر بدلا من القانون 84 لسنة 2002 الذي يقف عائقا امام قدرة هذه المنظمات على ممارسة دورها المجتمعي بحرية وفاعلية .
  • توفير مصادر تمويل وطنية ومحلية للمنظمات الأهلية العاملة في المجالات التنموية والدفاعية على السواء لتعويض  النقص في مصادر التمويل الخارجية .
  • على المنظمات المدنية ان تطور من ادواتها الإدارية وممارساتها الديمقراطية الداخلية وتفسح المجال لقيادات شابة أكثر مهنية وقدرة على العطاء .
  • يجب على المنظمات المدنية المصرية ان تركز خلال المرحلة الانتقالية على القضايا التي يمكن ان تؤثر في سلامة عملية التحول الديمقوقراطي ، مثل التوترات الطائفية ، انخفاض الوعي السياسي ، الأضرار الاقتصادية .
المراجع
  • أماني قنديل ، دور المنظمات الأهلية في تحقيق الأهداف الإنمائية للألفية ، تقرير صادر عن الشبكة العربية للمنظمات الأهلية ، 2005
  • امانى قنديل-سلسلة كتيبات الاعلام والمجتمع المدنى شركاء من اجل التنمية – الشبكة العربية للمنظمات الاهلية والمركز الثقافى البريطانى/2007.
  • سعد الدين إبراهيم . المجتمع المدني والتحول الديمقراطي في مصر . القاهرة : دار قباء للطباعة والنشر والتوزيع ، 2000
  • أحمد أمين سعدالله،  محمد طالبي،  واقع مكافحة ظاهرة الفقر في العالم العربي والإسلامي من خلال تجربة بنوك الفقراء  برنامج الخليج العربي لدعم منظمات الأمم المتحدة الإنمائية
  • عبد الرحيم أحمد بلال: العمل التطوعى فى السودان، الخرطوم، مايو 2000.
  • د . عبد المنعم السيد  ، دور منظمات المجتمع المدنى فى مصر ، 11 أغسطس 2011
  • موقع الجزيرة الإخباري ، الفقر في مصر ، تقرير إخباري منشور ، 10 مارس 2011
  • مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء ، العمل الخيري للأسرة المصرية ، تقرير منشور ، القاهرة ، 210 .
  • المنظمة المصرية لحقوق الإنسان ، حالة حقوق الإنسان في مصر التقرير السنوي لعام 2003

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

المشاركة السياسية للمرأة المصرية .. رؤية حقوقية

 

تمهيد

بشكل عام يعد غياب المرأة هو أحد الملامح الرئيسية للحياة السياسية في مصر وقد لعبت العديد من العوامل دورا في  ذلك ولعل من أهمها الدور السلبي الذي لعبه الإعلام المصري في نشر مفهوم حقوق المرأة ، بالإضافة إلى الموروث الثقافي الذي يعتبر المشاركة السياسية عملا مقصورا على الرجال.

وقد شهدت الساحة الحقوقية في الأيام الأخيرة بعض الأحداث المرتبطة بتعظيم المشاركة السياسية للمرأة وأهمها عرض  تقرير مصر  الوطني الموحد بشأن اتفاقية القضاء علي جميع أشكال التمييز ضد المرأة «السيداو» وذلك أمام لجنة القضاء علي التمييز ضد المرأة التابعة للأمم المتحدة بالمقر الأوروبي للأمم المتحدة بجنيف خلال شهر يناير 2010  .

كما تزامن ذلك مع خضوع مصر لآلية الاستعراض الدوري الشامل لأول مرة في تاريخها يوم 17 فبراير الجاري ، وكان للمرأة وتعزيز مشاركتها في الحياة العامة نصيب وافر من المناقشات ، وسوف نتناول فيما يلي بعض الصكوك الدولية والنصوص المرتبطة بالتمكين السياسي للمرأة ، كما سنتناول ما أسفرت عنه نتائج عرض تقرير السيداو والاستعراض الدوري الشامل لمصر فيما يخص المرأة ،وسنعرض موقف الأهداف الإنمائية للألفية من قضية التمكين السياسي للمرأة ،  كما سنبقي الضوء على أهم التغييرات التشريعية المصرية المرتبطة بهذا الأمر

 

 أولا : المشاركة السياسية للمرأة  في المواثيق الدولية  :

الإعلان العالمي لحقوق الإنسان : (1948)

المادة ( 2)

لكل إنسان حق التمتع بجميع الحقوق والحريات المذكورة في هذا الإعلان، دونما تمييز من أي نوع، ولا سيما التمييز بسبب العنصر، أو اللون، أو الجنس، أو اللغة، أو الدين، أو الرأي سياسيا وغير سياسي، أو الأصل الوطني أو الاجتماعي، أو الثروة، أو المولد، أو أي وضع آخر .

اتفاقية الأمم المتحدة  بشأن الحقوق السياسية للمرأة : (1954)

المادة (1)

للنساء حق التصويت في جميع الانتخابات، بشروط تساوي بينهن وبين الرجال، دون أي تمييز.

المادة (2)

للنساء الأهلية في أن ينتخبن لجميع الهيئات المنتخبة بالاقتراع العام، المنشأة بمقتضى التشريع الوطني، بشروط تساوي بينهن وبين الرجال دون أي تمييز.

المادة (3)                                                                                                                                 

للنساء أهلية تقلد المناصب العامة وممارسة جميع الوظائف العامة المنشأة بمقتضى التشريع الوطني، بشروط تساوي بينهن وبين الرجال، دون أي تمييز.

 

 

العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية :

 المادة (3 )

تتعهد الدول الأطراف في هذا العهد بكفالة تساوى الرجال والنساء في حق التمتع بجميع الحقوق المدنية والسياسية المنصوص عليها في هذا العهد.

وقعت مصر عليه في 4/8/1967 وصدقت عليه في 14/1/1982 ودخل حيذ التنفيذ  14/4/1982.

إعلان القضاء على التمييز ضد المرأة : (1967)

المادة (4)

تتخذ جميع التدابير المناسبة التي تكفل للمرأة، علي قدم المساواة مع الرجل ودون أي تمييز، الحقوق التالية:
(أ) حقها في التصويت في جميع الانتخابات وفي ترشيح نفسها لجميع الهيئات المنبثقة عن الانتخابات العامة .
(ب) حقها في التصويت في جميع الاستفتاءات العامة .
(ج) حقها في تقلد المناصب العامة ومباشرة جميع الوظائف العامة.
وتكفل هذه الحقوق عن طريق التشريع.

اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة”السيداو ” : (1981)

المادة (3)

تتخذ الدول الأطراف في جميع الميادين، ولا سيما الميادين السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، كل التدابير المناسبة، بما في ذلك التشريعي منها، لكفالة تطور المرأة وتقدمها الكاملين. وذلك لتضمن لها ممارسة حقوق الإنسان والحريات الأساسية والتمتع بها على أساس المساواة مع الرجل .

المادة (7)

تتخذ الدول الأطراف جميع التدابير المناسبة للقضاء على التمييز ضد المرأة في الحياة السياسية والعامة للبلد، وبوجه خاص تكفل للمرأة، على قدم المساواة مع الرجل، الحق في:
(أ) التصويت في جميع الانتخابات والاستفتاءات العامة، والأهلية للانتخاب لجميع الهيئات التي ينتخب أعضاؤها بالاقتراع العام،
(ب) المشاركة في صياغة سياسة الحكومة وفى تنفيذ هذه السياسة، وفى شغل الوظائف العامة، وتأدية جميع المهام العامة على جميع المستويات الحكومية،
(ج) المشاركة في أية منظمات وجمعيات غير حكومية تهتم بالحياة العامة والسياسية للبلد.

 المادة (8)

تتخذ الدول الأطراف جميع التدابير المناسبة لتكفل للمرأة، على قدم المساواة مع الرجل، ودون أي تمييز، فرصة تمثيل حكومتها على المستوى الدولي والاشتراك في أعمال المنظمات الدولية.

صدقت مصر علي اتفاقية القضاء على كافة أشكال التميز ضد المرأة   بتاريخ 15/8/1981 وسرت في حقها اعتبارا من 18/10/1981 ، وترفض مصر التوقيع  والمصادقة على البروتوكول الاختياري الملحق بالاتفاقية  ، وكان لها تحفظات على بعض مواد وبنود الاتفاقية .

 

 

 


الميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب:(1981)

المادة ( 13)

  1. لكل المواطنين الحق فى المشاركة بحرية فى إدارة الشئون العامة لبلدهم سواء مباشرة أو عن طريق ممثلين يتم اختيارهم بحرية وذلك طبقا لأحكام القانون.
    2. لكل المواطنين الحق أيضا فى تولى الوظائف العمومية فى بلدهم.
    3. لكل شخص الحق فى الاستفادة من الممتلكات والخدمات العامة وذلك فى إطار المساواة التامة للجميع أمام القانون.

إعلان بشأن مشاركة المرأة في تعزيز السلم والتعاون الدوليين : ( ديسمبر 1982)

المادة (6)

تتخذ جميع التدابير المناسبة لتكثيف الجهود الوطنية والدولية فيما يتعلق بمشاركة المرأة في تعزيز السلم والتعاون الدوليين، عن طريق ضمان مشاركة المرأة مشاركة متساوية في الشئون الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، والمدنية، والسياسية للمجتمع من خلال التوزيع المتوازن والمنصف للأدوار بين الرجل والمرأة في المجال الأسري وفي المجتمع بكامله، وكذلك عن طريق توفير فرصة متساوية للمرأة للمشاركة في عملية صنع القرارات.

إعلان الحق في التنمية 🙁 1986 )

الفقرة الأولى بالمادة (8) :

ينبغي للدول أن تتخذ، على الصعيد الوطني، جميع التدابير اللازمة لإعمال الحق في التنمية ويجب أن تضمن، في جملة أمور، تكافؤ الفرص للجميع في إمكانية وصولهم إلى الموارد الأساسية والتعليم والخدمات الصحية والغذاء والإسكان والعمل والتوزيع العادل للدخل. وينبغي اتخاذ تدابير فعالة لضمان قيام المرأة بدور نشط في عملية التنمية. وينبغي إجراء إصلاحات اقتصادية واجتماعية مناسبة بقصد استئصال كل المظالم الاجتماعية.

إعلان مؤتمر بكين : (1995)

المادة ( 13 )

( تمكين المرأة من مشاركتها الكاملة علي قدم المساواة في جميع جوانب الحياة العامة بما في ذلك عملية صنع القرار وبلوغ مواقع السلطة ، وهي أمور أساسية لتحقيق المساواة والتنمية والسلام)

الميثاق العربي لحقوق الإنسان :(1997)

المادة (2)

تتعهد كل دولة طرف في هذا الميثاق بأن تكفل لكل إنسان موجود على أراضيها وخاضع لسلطتها حق التمتع بكافة الحقوق والحريات الواردة فيه دون أي تمييز بسبب العنصر أو اللون أو الجنس أو اللغة أو الدين أو الرأي السياسي أو الأصل الوطني أو الاجتماعي أو الثروة أو الميلاد أو أي وضع آخر دون أي تفرقة بين الرجال والنساء.

بروتوكول حقوق المرأة في أفريقيا الملحق بالميثاق الأفريقي لحقوق الإنسان والشعوب:(2003)

المادة (2): القضاء على التمييز ضد المرأة

النقطة (ج) من الفقرة الأولى

1- ينبغي على الدول الأطراف مكافحة كافة أشكال التمييز ضد المرأة، من خلال التدابير التشريعية والمؤسسية المناسبة، وغيرها من التدابير، وتقوم، في هذا الصدد، بما يلي :

(ج) إدماج منظور نوع الجنس في القرارات السياسية والتشريعات والخطط والبرامج والأنشطة الإنمائية، وكذلك في جميع ميادين الحياة الأخرى؛

المـادة (8): الوصول إلى العدالة والحماية المتساوية أمام القانون

تتساوى المرأة والرجل أمام القانون ويكون لكل منهما الحق في الاستفادة من الحماية المتساوية أمام القانون. وتتخذ الدول الأطراف جميع التدابير المناسبة لكفالة ما يلي:

(هـ) التمثيل المتكافئ للنساء في المؤسسات القضائية ومؤسسات تتفيذ القوانين؛

المـادة( 9): الحق في المشاركة في العملية السياسية وصنع القرار

1- تتخذ الدول الأطراف تدابير إيجابية محددة لتعزيز نظام للحكم قائم على المشاركة، ومشاركة المرأة على قدم المساواة مع الرجل في العملية السياسية لبلدها، وذلك من خلال اعتماد تدابير للتمييز الإيجابي وسن التشريعات الوطنية المناسبة، وغير ذلك من التدابير، بغية كفالة ما يلي:

(أ) مشاركة المرأة في جميع الانتخابات بدون أي تمييز؛

(ب) تمثيل المرأة على قدم المساواة مع الرجل في جميع مراحل العملية الانتخابية؛

(ج) اعتبار المرأة شريكة مساوية للرجل فيما يخص جميع مستويات وضع وتنفيذ سياسات الدولة وبرامج التنموية.

2- تضمن الدول الأطراف زيادة تمثيل المرأة ومشاركتها الفعالة على جميع مستويات صنع القرار.

ثانيا : المشاركة السياسية للمرأة في الأهداف الإنمائية للألفية

الهدف 3 : تعـزيـز المساواة بين الجنسين وتمكين المرأة

يعني تعزيز المساواة القائمة على النوع الاجتماعي ضمان حصول النساء على نفس الفرص التي يحصل عليها الرجال ليتمكنّ من تحسين حياتهن وحياة أسرهن .

ثالثا : المشاركة السياسية للمرأة في ضوء نتائج الاستعراض الدوري الشامل ولجنة السيداو

1- نتائج السيداو

عقدت مؤخرا  لجنة الأمم المتحدة المعنية باتفاقية إلغاء كل أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) دورتها الخامسة والأربعين في مقر الأمم المتحدة في جنيف  والتى استمرت من (18 يناير وحتى 5 فبراير 2010 ) .

استمعت اللجنة إلى تقريرين من مصر على التوالي الأول تقرير الظل الذي قدمه ائتلاف السيداو ، أما التقرير الثاني فقدمه الوفد الرسمي الذي رأسته الدكتورة «فرخندة حسن» الأمين العام للمجلس القومي للمرأة، وكان مطلوبا من الوفد الرسمي إضافة إلي تقريره أن يرد علي الأسئلة التي طرحها وفد المنظمات غير الحكومية والمجتمع المدني. واتسمت ردود الوفد الرسمي بالعمومية مع تقديم صورة وردية لواقع النساء المصريات كما لو أنه ليس في الإمكان أبدع مما كان وبالنسبة لسؤال حول وضع المرأة الريفية ومدى مشاركتها في المجالس المحلية للقرى فقد ردت الحكومة المصرية ممثلة في وفد من المجلس القومي للمرأة بأن  المجتمع الريفي المصري هو مجتمع ذكوري أبوي يقف عائقا في طريق زيادة مشاركة المرأة الريفية ويتحرك المجلس في جهوده  من ذلك المنطلق مؤكدة أنه أثناء مناقشة التعديلات الدستورية التي أدخلت الكوتا تمت مداولات من قبل المجلس القومي للمرأة مع قانونيين مصريين حول إدخال كوتا للمرأة فى المحليات وكان رد القانونيين ان نظام المحليات هو منظومة قانونية منفصلة عن قانون الانتخابات وأن الحكومة في طريقها الى تغيير قانون المحليات ووعدت الحكومة على لسان المتحدثة أن يقوم المجلس القومي لحقوق المرأة بجهوده لإقرار كوتا في قانون الإدارة المحلية الجديد أو إقرار نظام انتخابي يضمن تمثيلها بشكل جيد  ، واعترفت الحكومة بضآلة نسبة المرأة فى المجالس المحلية والتي وصلت إلى 5.1% في آخر انتخابات محلية (2008) ووعدت باتخاذ خطوات لتحسينها وزيادتها .

وعن ضعف تمثيل المرأة في المناصب القيادية في المحليات فأشارت الحكومة إلى مشكلة ضعف أعداد المتقدمين لشغل هذه المناصب من النساء ، حيث أحال وزير التنمية المحلية هذه المشكلة للمجلس القومي للمرأة مطالبا إياهم بتشجيع النساء على التقدم  لشغل هذه المناصب وأشارت الى وجود 4 سيدات فقط يشغلن منصب سكرتير عام محافظ  فقد تقدمت 29 سيدة لشغل المنصب تم قبول 4 منهن بنسبة 20% بينما تقدم 1806 رجل تم قبول 142 منهم بنسبة 7.9%.

 وقد أشار تقرير الظل الثانى  لائتلاف السيداو ( مصر 2009 ) إلى اختلال التوازن النوعي في المجتمع والذي يكرس السلطة في أيدي الرجال مما يترتب عليه في كثير من الأحيان وخاصة في المجتمعات الريفية إلى سيطرة الرجال على  أصوات النساء ، بالإضافة إلى الدور السلبي الذي تلعبه أوضاع المرأة الاقتصادية والاجتماعية على مشاركتها السياسية فجزء كبير من النساء – حسب تقرير الظل – يعانى من الأمية والفقر .

وفى طرحه للرؤية المستقبلية بخصوص المشاركة السياسية للمرأة فقد أشار إلى تبنى النظم الانتخابية التي تدعم مشاركة المرأة ضمانا لزيادة التمثيل النسائي في المجالس الانتخابية ، وإشراك المرأة بنسب متكافئة فى المشاورات الخاصة بالتعديلات التشريعية وقوانين الإدارة المحلية .

2- نتائج الاستعراض الدوري الشامل

خضعت مصر للاستعراض الدوري الشامل يوم 17 فبراير 2010 ، وتم الاستعراض اعتمادا على ثلاثة تقارير هي التقرير الحكومي ، الثاني  هو تقرير أعدته المفوضية السامية لحقوق الإنسان من واقع تقارير منظمات المجتمع المدني وأصحاب المصلحة الآخرين ، والثالثة تقرير أعدته المفوضية السامية أيضا ولكن من واقع تقارير وكالات الأمم المتحدة المعنية .

وقد انتهى الاستعراض بقبول لحوالي 165 توصية من توصيات الدول التي طالبت بها في الحوار التفاعلي ، وكذلك تعهدها بدراسة قبول 26 توصية أخرى ورفض 20 توصية ، ومن أهم النتائج المتعلقة بالمرأة في هذا الاستعراض ما يلي :-

التوصيات التي وجهتها الدول الأعضاء لمصر في مجال المرأة

  • النظر في سحب تحفظ مصر علي المادة 2 و 16 و 29 والتصديق علي البروتوكول الاختيار الثاني المرفق لسيداو ( النرويج)
  • النظر في انضمام مصر الفوري للبروتوكول الاختياري الثاني للعهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية ( بوليفيا)
  • الحفاظ علي الزخم الايجابي في تطوير قوانينها ومؤسساتها فيما يتعلق بالتعليم وكل حقوق المراة ( اندونيسيا)
  • النظر في دعم مكتب الشكاوي بالمجلس القومي لحقوق المراة ودعم و تطوير خط مساعدة الطفل ، والبناء علي الخبرات الماضية والنظر في تقديم الدعم وتقوية دور وكفاءة هاتين الفئتين ( فلسطين)
  • دعم التعاون والتنسيق بين الهيئات الحكومية والمجلس القومي للمرأة من اجل تحقيق الإطار اللازم لدعم وتعزيز حقوق المرأة وأوضاعها ( تونس)
  • ان التشريعات المتعلقة بالعنف ضد المرأة بالعنف ضد المرأة لابد من صياغتها علي أساس التعهدات الطوعية التي قامت بها مصر ، لتضمن أحكاما ترمي الي القضاء علي العنف الواقع علي المرأة بحكم القانون ( المكسيك)
  • تعزيز الجهود التي تهدف لدعم الحقوق المتساوية للمرأة مثل الرجل في العمل ( الإمارات)

وقد قبلت الحكومة المصرية معظم هذه التوصيات أو وعدت بدراستها فيما عدا  التوصية الخاصة بدعم وتعزيز حماية المرأة في الممارسة من كل أنواع العنف  على أساس أن هذه التوصية مبنية على معلومات غير صحيحة .

رابعا  المشاركة  السياسية للمرأة في الدستور المصري والتشريعات المحلية:

الدستور المصري:

المادة (1):

جمهورية مصر العربية دولة نظامها ديمقراطي يقوم على أساس المواطنة ، والشعب المصري جزء من الأمة العربية يعمل على تحقيق وحدتها الشاملة .

المادة (11) :

تكفل الدولة التوفيق بين واجبات المرأة نحو الأسرة وعملها في المجتمع، ومساواتها بالرجل في ميادين الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية دون إخلال بأحكام الشريعة الإسلامية .

مادة(62):   للمواطن حق الانتخاب وإبداء الرأي في الاستفتاء وفقا لأحكام القانون، ومساهمته في الحياة العامة واجب وطني، وينظم القانون حق الترشيح لمجلسي الشعب والشورى، وفقا لأي نظام انتخابي يحدده، ويجوز أن يأخذ القانون بنظام يجمع بين النظام الفردي ونظام القوائم الحزبية بأية نسبة بينهما يحددها، كما يجوز أن يتضمن حدا أدنى لمشاركة المرأة في المجلسين .

القوانين المصرية :

القانون رقم 73 لسنة 1956 الخاص بتنظيم مباشرة الحقوق السياسية :

مادة (1):

على كل مصري ومصرية بلغ ثماني عشرة سنة ميلادية أن يباشر بنفسه الحقوق السياسية الآتية :

أ- إبداء الرأي فئ كل استفتاء ينص عليه الدستور .

ب- ثانيا : انتخاب كل من :

1- رئيس الجمهورية .

2-أعضاء مجلس الشعب .

3- أعضاء مجلس الشورى .

4-أعضاء المجالس الشعبية المحلية .

ويكون انتخاب رئيس الجمهورية وفقا للقانون المنظم للانتخابات الرئاسية ، وتكون مباشرة الحقوق الأخرى على النحو وبالشروط المبينة في هذا القانون .

ويعفى من أداء هذا الواجب ضباط وأفراد القوات المسلحة الرئيسية والفرعية والإضافية وضباط وأفراد هيئة الشرطة طوال مدة خدمتهم بالقوات المسلحة أو الشرطة .

المادة (4):

يجب أن يقيد فى جداول الانتخاب كل من له مباشرة الحقوق السياسية من الذكور والإناث ، ومع ذلك لا يقيد من اكتسب الجنسية المصرية بطريق التجنس إلا إذا كانت قد مضت خمس سنوات على الأقل على اكتسابه إياها .

قانون رقم 40 لسنة 1977 بنظام الأحزاب السياسية :

المادة (4):
يشترط لتأسيس أو استمرار أي حزب سياسي ما يأتي :

رابعا : عدم قيام الحزب في مبادئه أو برامجه أو في مباشرة نشاطه أو في اختيار قياداته أو أعضائه على أساس ديني ، أو طبقي ، أو طائفي ، أو فئوي ، أو جغرافي ، أو على استغلال المشاعر الدينية ، أو التفرقة بسبب الجنس أو الأصل أو العقيدة.

المادة (5):

يجب أن شمل النظام الداخلي للحزب القواعد التى تنظم كل شئونه السياسية والتنظيمية والمالية والإدارية بما يتفق وأحكام هذا القانون ، ويجب أن يتضمن هذا النظام بصفة خاصة ما يأتي :

رابعا : شروط العضوية فى الحزب ، وقواعد وإجراءات الانضمام إليه ، والفصل من عضويته والانسحاب منه .

ولا يجوز أن توضع شروط للعضوية على أساس التفرقة بسبب العقيدة الدينية أو العنصر أو الجنس أو المركز الاجتماعي .

قانون رقم 149 لسنة 2009 في شأن مجلس الشعب 🙁 بشأن تعديل بعض أحكام القانون رقم 38 لسنة 1972 فى شأن مجلس الشعب)

ونص القانون على أنه يستبدل بنص الفقرة الأولى في كل من المادتين الأولى والثالثة من القانون رقم 38 لسنة 1972، الفقرات التالية:

 المادة الأولى:

“يكون اختيار أعضاء مجلس الشعب بطريق الانتخاب المباشر السرى العام”

 المادة الثالثة:

“تقسم جمهورية مصر العربية إلى دوائر انتخابية، لانتخاب أربعمائمة وأربعة وأربعين عضوا.

كما تقسم إلى دوائر أخرى لإنتخاب أربعة وستين عضوا، يقتصر الترشيح فيها على المرأة، ويكون ذلك لفصلين تشريعيين.

وينتخب عن كل دائرة عضوان يكون أحدهما على الأقل من العمال والفلاحين.

وتحدد جميع هذه الدوائر طبقا لقانون خاص بذلك.

 


الواقع السياسي للمرأة المصرية :

حصلت المرأة المصرية على حقوقها السياسية بموجب دستور 1956

جدول يبين تطور أعداد النساء المقيدات فى جداول الانتخاب

السنة أعداد المقيدات النسبة إلى إجمالي المقيدين
1986 3.630.000 18%
2000 8.764.361 35%
2003 10867272 37%
2005 12124418 38.4%
2006 ——- 39.6%

جدول يبين تطور تمثيل المرأة في البرلمان المصري (1976-2005)

البرلمان عدد الفائزات عدد المعينات إجمالي عدد النائبات
1976 4 2 6
1979 33 2 35
1984 37 1 38
1987 14 4 18
1990 7 3 10
1995 5 4 9
2000 7 4 11
2005 4 5 9

. عدد المرشحات في الانتخابات النيابية 1987-2005

برلمان إجمالى عدد المرشحات إجمالى عدد المرشحين النسبة
1987- 1990 22 3592 0.6%
1990- 1995 45 2676 1.7%
1995- 2000 71 3980 1.8%
2000-2005 114 3957 2.9%
2005-2010 131 5165 2.54%

 

اختبار الاستعراض الدوري الشامل – “الاستيقاظ متأخرا ” و” الرياء الحقوقي ” شعارات المرحلة

 

تمهيد

الحركة الحقوقية المصرية تدخل الآن  الربع الثاني من عمرها المديد ، وتدخل معه في مناطق ومجالات جديدة للعمل الحقوقي لم تكن مطروحة من قبل وتتاح لها فرص نادرة لامتلاك زمام المبادرة مرة أخرى بما تضعه الشرعة الدولية والمنظومة الأممية لحماية حقوق الإنسان في يدها من أدوات وآليات فعالة تستطيع من خلالها أن تحاسب الحكومات والجهات التنفيذية وتقيم عملها في المجال الحقوقي .

ومن هنا تأتي أهمية ما يمكن أن نطلق عليه ” اختبار الاستعراض الدوري الشامل ” ( UPR ) الذي ستدخله الحكومة المصرية في شهر فبراير 2010 وستدخله معها كافة منظمات المجتمع المدني المصرية  العاملة في مجال حقوق الإنسان سواء كانت تنظيمات أهلية أو مؤسسات قومية بالإضافة إلى الإعلام المكتوب والمسموع والمرئي  ، حيث ستخضع الحكومة المصرية لمراجعة سجلها الحقوقي من قبل المجلس الدولي لحقوق الإنسان بجنيف وسينظر في مدى التزامها بتعهداتها التي قطعتها على نفسها عند التقدم للترشيح لعضوية المجلس عن المجموعة الأفريقية في عام 2007.

وفي نفس الوقت يعد هذه الأمر اختبارا لقدرات منظمات المجتمع المدني المصرية ومعلما هاما من معالم مدى نجاح هذه المنظمات في مهمتها طوال السنوات الماضية ، ومؤشرا لمدى قدرتها على التواصل مع الآليات الدولية لحماية حقوق الإنسان من جهة ، وإجراء التقييم الموضوعي لعمل الحكومة طوال السنوات الثلاثة الماضية من جهة ثانية ، وامتلاك الآدوات والإمكانيات القادرة من خلالها على مراقبة الأداء الحكومي في تنفيذ التعهدات القادمة خلال السنوات الاربعة التالية للاستعراض من جهة ثالثة .

والاسئلة التي تطرح نفسها على الساحة  الآن هي  ما هو موقف مؤسسات المجتمع المعنية بالآمر من خضوع مصر لآلية الاستعراض الدوري الشامل ؟ وكيف استعدت  الحكومة والمجلس القومي لحقوق الإنسان ومنظمات المجتمع المدني المصرية الأخرى  لهذا الحدث المهم ؟ ومنذ متى بدأت استعداداتها ؟  وما هي المنظمات التي قدمت تقارير إلى آلية الاستعراض الدوري الشامل ؟ وما مدى الموضوعية والعلمية في التقارير المقدمة من  هذه المنظمات ؟ وما هي المنهجية التي اتبعتها كل منظمة في تقريرها ؟ وما مدى الشفافية في إعداد التقرير ؟ وما مدى نجاح العمل في إطار تحالف لإعداد تقارير موحدة ؟

كل هذه التساؤلات تستحق التوقف عندها في هذا الوقت خاصة وأنه في 1 سبتمبر الساعة الثانية عشر ظهرا قد  أغلق  باب تقديم تقارير منظمات المجتمع المدني للدول التي ستخضع للاستعراض الدوري الشامل في فبراير 2010  ومنها جمهورية مصر العربية ، ومن ثم فقد اتضح كل شىء ولم يعد هناك وقت متاح لمزيد من العمل في هذا الملف من جانب المنظمات التي لم تنهي تقاريرها بعد أو تلك التي لم تتقدم بتقرير من الأصل .

وتأتي أهمية هذه الوقفة التقييمية لآداء منظمات المجتمع في تعاطيها مع آلية الاستعراض الدوري الشامل ( UPR ) وخضوع مصر لها من عدة اعتبارات وهي :-

  • أهمية التعرف على نواحي القصور في تعامل منظمات المجتمع المدني وأصحاب المصلحة مع الآليات الدولية والإقليمية والوطنية لحماية حقوق الإنسان .
  • أهمية التعرف على مدى وعي المجتمع ومؤسساته بآلية الاستعراض الدوري الشامل وبالتزامات مصر أمام الآيات الدولية لحماية حقوق الإنسان .
  • الاستفادة من مخرجات مرحلة إعداد التقارير في الاستعداد للمرحلة السابقة والمصاحبة للاستعراض خلال الأشهر الستة القادمة ، وكذلك في المرحلة التالية للاستعراض خلال السنوات الأربعة اللحقة له .

وسوف نحاول في البنود التالية أن نرسم صورة شبه كاملة للمشهد الحقوقي المصري تحت أضواء آلية الاستعراض الدوري الشامل  استرشادا بموقف منظمات المجتمع ( الحكومة – الصحافة والإعلام – المجلس القومي لحقوق الإنسان – منظمات المجتمع المدني ) وذلك خلال مرحلة تقديم التقارير إلى المفوضية السامية لحقوق الإنسان التي انتهت بالفعل

منظمات المجتمع المدني وتقاريرها للآليات الدولية لحماية حقوق الإنسان

تشكل التقارير التي تصدرها منظمات حقوق الإنسان آلية بالغة الأهمية في تحقيق عدد من الأهداف أهمها ما يلي : –

  • رصد أوضاع حقوق الإنسان.
  • بيان حدود التحسن أو التراجع في حماية حقوق الإنسان.
  • حفز قطاعات أوسع من الرأي العام للعمل من أجل وقف الانتهاكات.
  • حفز المجتمع الدولي للضغط على الحكومات من أجل تحسين حالة حقوق الإنسان.
  • أداة للتأثير على الحكومات ذاتها.
  • يمكن أن تلعب التقارير دورا تثقيفيا يسهم في نشر ثقافة حقوق الإنسان.
  • تساعد المجتمع في التعرف على أداء المنظمات وفي تقييم رسالتها وجدواها.

وتعد التقارير الموازية هي الشكل التقليدي الشائع الذي تتواصل به منظمات المجتمع المدني مع الآليات الدولية لحماية حقوق الإنسان  حيث يمكن من خلالها إرسال إفادات من هذه المنظمات إلى لجان معاهدات حقوق الإنسان .

والتقارير الموازية  أو تقارير الظل كما تسمس أحيانا تقتضي العمل في ضوء القواعد المنهجية التي وضعتها لجان حقوق الإنسان بالأمم المتحدة، باعتبار ذلك يتيح مساحة أوسع للاشتباك مع ما يتضمنه تقرير الحكومة. ويكون مفيدا في هذا الإطار السعي مسبقا للحصول على تقرير الحكومة، وإذا تعذر ذلك يمكن الرجوع إلى تقارير سابقة قدمتها الحكومة فغالبا تظل التبريرات التي تقدمها الحكومة دفاعا عن ممارساتها ثابتة ، وغالبا ما لا يطرأ تغيير على الأشكال التي تبتدعها لتحسين الصورة. كما أنه يكون مفيدا في هذة الحالة أن يكون لدى المنظمة أرشيفا صحفيا يوثق أهم التصريحات الحكومية والاشتباك معها فغالبا ما تكون فحوى هذه التصريحات تشكل جزءا من خطاب ممثلي الحكومة أمام لجان حقوق الإنسان .

وإلى جانب التقارير المقدمة الى الآليات الدولية لحماية حقوق الإنسان يمكن لمنظمات المجتمع المدني أن تتقدم بإفادات إلى أصحاب الولايات الخاصة والمقررين الخواص وأن تمدهم بمعلومات وحالات تفيدهم في عملهم ، وتعتبر منظمات المجتمع المدني الشريك الرئيسي لأصحاب الولايات الخاصة في بلدانهم، حيث  تستطيع المنظمات غير الحكومية أن تعرض على الإجراءات الخاصة معلومات عن حالات محدَّدة لحقوق الإنسان في بلد بعينه أو بشأن قوانينه وممارساته التي تنطوي على آثار تتعلق بحقوق الإنسان. ويمكن أن يطلب أصحاب الولايات في بعض الأحيان معلومات محدَّدة بشأن موضوع يندرج في إطار ولاياتهم أو إجراء مشاورات خاصة مع المنظمات غير الحكومية وعناصر المجتمع المدني .

وتعد تقارير منظمات المجتمع المدني لآلية الاستعراض الدوري الشامل امتدادا طبيعيا للمساحة الممنوحة للمجتمع المدني في المنظومة الأممية لحماية وتعزيز حقوق الإنسان في العالم ، ومن ثم فإن هذه التقارير تشكل أهمية محورية في توصيف الأوضاع الحقوقية في البلد المعني بالاستعراض .

الاستعراض الدوري الشامل

أنشأت الجمعية العامة بموجب القرار  251/60  الصادرفي مارس2006 الاستعراض الدوري الشامل باعتباره آلية جديدة من آليات حقوق الإنسان. ومن خلاله يستعرض مجلس حقوق الإنسان على أساس دوري أداء كل دولة من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة البالغ عددها 192 دولة  لالتزاماتها وتعهّداتها في مجال حقوق الإنسان. والاستعراض الدوري الشامل آلية تعاونية تهدف إلى استكمال أعمال هيئات معاهدات حقوق الإنسان لا أن تكون ازدواجاً لها.

ويحدِّد القرار 5/ 1 لمجلس حقوق الإنسان الصادر في يونية 2007  دورية الاستعراض وعمليته  ويعمل هذا الاستعراض على أساس دورة زمنية من أربع سنوات وتتالف عملية الاستعراض ذاتها  من عدة مراحل هي :

  • إعداد معلومات يستند إليها الاستعراض بما في ذلك معلومات تعدّها الدولة موضع الاستعراض التقرير الوطني( ، وتجميع لمعلومات الأمم المتحدة عن الدولة موضع الاستعراض تعدُّه مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان؛ وملخّص للمعلومات المقدَّمة من أصحاب المصلحة الآخرين )بما فيهم عناصر المجتمع المدني(، وتعدُّه المفوضية أيضاً .

2- الاستعراض نفسه ويجري في جنيف في إطار فريق عمل معني بالاستعراض الدوري الشامل، يتألف من 47 دولة عضواً من أعضاء المجلس ويأخذ شكل حوار تفاعلي بين الدولة موضع الاستعراض والدول الأعضاء والمراقبة في المجلس. ويجتمع الفريق العامل في ثلاث دورات لمدة أسبوعين لكل منها ويستعرض16 دولة في كل دورة – وبذلك يصل المجموع إلى 48 دولة في كل سنة  ، ويقوم فريق يتألف من ثلاثة مقرِّرين  المجموعة الثلاثية أو الترويكا ( من بين الدول الأعضاء في المجلس بتسهيل استعراض كل دولة .

  • اعتماد وثيقة الناتج في الفريق العامل في نهاية كل استعراض؛ ينظر المجلس في وثيقة ناتج الاستعراض الدوري الشامل ويعتمدها ، ويكون ذلك عادة في الدورة العادية التالية .
  • المتابعة من الدول موضع الاستعراض وأصحاب المصلحة الآخرين، بمن فيهم المجتمع المدني، لتنفيذ الاستنتاجات والتوصيات الواردة في وثائق النتائج.

ومن هنا نرى أن أدوار منظمات المجتمع المدني في الاستعراض الدوري الشامل يمكن أن تندرج تحت خمسة أدوار رئيسية كالتالي :-

1– العمل مع الدول لإعداد التقارير الوطنية  حيث يشجِّع القرار 5/ 1 الدول على أن تُعِدّ المعلومات التي تقدمها لأغراض استعراض أوضاعها عن طريق عملية عريضة للمشاورة الوطنية مع جميع أصحاب المصلحة المعنيين بما فيهم المجتمع المدني  .

2- إفادات أصحاب المصلحة   : فتمشيا  مع القرار 5/ 1 يُدعى أصحاب المصلحة ومنهم بالطبع منظمات المجتمع المدني  أيضاً إلى تقديم إفادات وتقارير  عن الدول موضع الاستعراض لاحتمال إدراجها في ملخص إفادات أصحاب المصلحة الذي تعده المفوضية.

3– حضور دورات الفريق العامل المعني بالاستعراض الدوري الشامل : حيث يجوز للمنظمات غير الحكومية ذات العلاقة الاستشارية بالمجلس الاقتصادي والاجتماعي بعد اعتمادها حضور دورات الفريق العامل المعني بالاستعراض الدوري الشامل، ولكنها لا تستطيع تقديم بيانات شفوية في اجتماعات الفريق العامل.

4- حضور دورات مجلس حقوق الإنسان : حيث يجوز للمنظمات غير الحكومية ذات المركز الاستشاري لدى المجلس الاقتصادي والاجتماعي بعد اعتمادها أن تحضر الدورات العادية لمجلس حقوق الإنسان التي يجري فيها دراسة واعتماد وثائق نتائج الاستعراض الدوري الشامل .

5- متابعة نتائج الاستعراض: حيث ينص القرار 5/ 1 على أن ا أصحاب المصلحة بما فيهم عناصر المجتمع المدني، يؤدّون دوراً في عملية تنفيذ التزامات الدولة أمام آلية الاستعراض الدوري . وتستطيع عناصر المجتمع المدني .

تقارير منظمات المجتمع المدني إلى آلية الاستعراض الدوري الشامل 

تقدم تقارير منظمات المجتمع المدني إلى آلية الاستعراض الدوري الشامل عن طريق مفوضية حقوق الإنسان بالأمم المتحدة ، حيث يتم إرسال هذه التقارير إلى المفوضية التي تقوم بنشرها على موقعها الشبكي عملا بمبدأ الشفافية ، كما تقوم بصياغة تقرير مكون من حوالي 10 صفحات بناءا على ما جاء في تقارير هذه المنظمات من إفادات .

وهناك شروط ومعايير محددة يجب الالتزام بها  عند صياغة منظمات المجتمع المدني لتقاريرها  التي تقوم  بإرسالها إلى المفوضية للمشاركة في الاستعراض الدوري الشامل للدولة المعنية وهذه الشروط هي  :-

  • أن تتسق التقارير والإفادات مع هيكل المبادئ التوجيهية العامة لإعداد المعلومات في إطار الاستعراض الدوري الشامل المعروضة في القرّاَر  6/ 102  للمجلس
  • لا تزيد التقارير المقدمة عن 5 صفحات أو عن 10 صفحات في حالة التحالفات الأكبر من أصحاب المصلحة.
  • يغطي محتوى التقارير فترة 4 سنوات كحد أقصى.
  • أن تكون التقارير مكتوبة بإحدى لغات الأمم المتحدة الرسمية، ويفضَّل أن تكون الأسبانية أو الإنكليزية أو الفرنسية.
  • أن تقدِّم معلومات في فقرة قصيرة عن أهداف وأعمال الكيان الذي يقدِّم الإفادة .
  • أن تكون التقارير مكتوبة بنسق مشترك لتجهيز الكلمات مع ترقيم الفقرات والصفحات.
  • أن تشمل فقرة تمهيدية تُلَخِّص النقاط الرئيسية.
  • أن تبيِّن الكلمات الرئيسية المتعلقة بالإفادة ويوضح مفهومها .
  • أن تتجنَّب استنساخ الملاحظات الختامية والتوصيات الصادرة عن هيئات معاهدات حقوق الإنسان أو الإجراءات الخاصة لمجلس حقوق الإنسان .
  • تجنَّب الاستشهاد بتقارير المنظمات الأخرى أو إرفاق هذه التقارير بإفادتها.

 

الاستعراض الدوري الشامل لمصر

تم تحديد موعد الاستعراض الدوري الشامل لكل الدول  ومنها مصر منذ عام 2007  وتحدد دور الانعقاد السابع للمجلس الذي سيكون في  شهر فبراير 2010 موعدا لخضوع مصر لهذه الآلية ، وسوف يخضع للاستعراض خلال هذه الدورة 15 دولة أخرى الى جانب مصر منها دولتين عربيتين هما العراق وقطر ، كما أن هناك ثلاث دول إفريقية هي أنجولا ومدغشقر وجامبيا ، ومن الدول الاسلامية إيران ، بالإضافة إلى فيجي  ، كازاخستان ، بوليفيا ، نيكارجوا ، السلفادور ، إيطاليا ، البوسنة والهرسك ، سلوفانيا ، وسان مارينو .

ومن المعلوم أن آخر موعد لتقديم تقارير وإفادات من منظمات المجتمع المدني الى المفوضية السامية لحقوق الإنسان – حتى يمكنها إدراجها في تقريرها الذي تعده  إن أمكن – يكون محددا سلفا ومعروفا منذ تحديد موعد الاستعراض الدوري الشامل للدولة المعنية ، ومن ثم فإن الموعد النهائي لتقديم تقارير منظمات المجتمع المدني المصرية عن حالة حقوق الإنسان في مصر حدد بيوم 1 سبتمبر 2009 .

ولكن المتابع لهذا الأمر لا يجد اهتماما بالموضوع إلا في الشهور الثلاثة الأخيرة السابقة للموعد النهائي لتقديم التقارير  ، بينما في الفترات السابقة لم يكن هناك اهتماما يذكر إلا فيما ندر ، وينطبق ذلك على الأطراف الحكومية وغير الحكومية سواء المجلس القومي لحقوق الإنسان أو غيره من منظمات المجتمع المدني :

وسوف نحاول في الفقرات التالية تحليل مدى اهتمام كل طرف من الأطراف المعنية واستعداداته للاستعراض الدوري الشامل قبل أن نستفيض في تحليل موقف منظمات المجتمع المدني من الاستعراض .

 

أولا : موقف الحكومة المصرية

لم تتحرك الحكومة المصرية ايجابيا باتجاه إعداد تقريرها عن حالة حقوق الإنسان في مصر إلا في شهر مايو 2009 ، حيث أصدر الدكتور أحمد نظيف رئيس مجلس الوزراء في 11 مايو 2009 قرارا بتشكيل لجنة حكومية برئاسة د.مفيد شهاب وزير الشئون القانونية والمجالس النيابية، تختص بوضع خطة الإعداد لخضوع مصر لآلية المراجعة الدورية لمجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة، وتتولى على وجه الخصوص إعداد التقرير الحكومى عن حالة حقوق الإنسان فى مصر المقرر مناقشته أمام المجلس الدولى لحقوق الإنسان في فبراير 2010

وضمت اللجنة ممثلين عن وزارة الخارجية، العدل الداخلية، الإعلام، التضامن الاجتماعى، القوى العاملة والهجرة الأسرة والسكان، النيابة العامة، المخابرات العامة، المجلس القومى للطفولة والأمومة، المجلس القومى للمرأة ، والجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء .

وقد جاء في قرار تشكيل اللجنة أن من بين مهامها تنظيم الأنشطة والفعاليات الكفيلة بالتعريف بدور وأهداف آلية الاستعراض  الدوري  بالاشتراك مع أجهزة الدولة ذات الصلة والمؤسسات الوطنية والمنظمات غير الحكومية العاملة فى مجال حقوق الإنسان، والتنسيق والتشاور مع هذه الجهات فى عملية الإعداد لخضوع مصر لهذه الآلية ، كما تتولى اللجنة إعداد خطة عمل كفيلة بتنفيذ النتائج المترتبة على المراجعة الدورية  من مقترحات وتوصيات .

ونلاحظ على الاهتمام الحكومي بملف الاستعراض الدوري الشامل عدة ملاحظات أبرزها ما يلي :-

  • تشكيل اللجنة جاء متأخرا جدا ، حيث أن التقرير الحكومي يجب أن يقدم في شهر نوفمبر 2009 بينما شكلت اللجنة في منتصف مايو 2009 ، أي أن اللجنة لم يكن أمامها سوى خمسة شهور  لإعداد التقرير بكافة مراحله وهي فترة لا يعتقد أنها كافية .
  • لم تسعى الحكومة إلى إشراك منظمات المجتمع المدني في إعداد تقريرها حتى يصبح تقريرا وطنيا كما فعلت بعض الدول العربية وغير العربية التي خضعت للاستعراض في الدورات السابقة ، كما أنها لم تسعى الى فتح حوار مجتمعي بشأن تقريرها المزمع تقديمه إلا في 3 سبتمبر 2009 باجتماع دعت اليه اللجنة مع المنظمات غير الحكومية وهو موعد متأخر بالطبع لأنه جاء بعد إغلاق باب تقديم منظمات المجتمع المدني لتقاريرها .
  • رغم ما جاء في قرار تشكيل اللجنة من إلزامها بتنظيم أنشطة للتعريف بآلية الاستعراض الدوري الشامل إلا إنه حتى الآن لم تعقد أي فاعلية من هذه الفاعليات ولم تقوم بأي أنشطة إعلامية تستهدف نشر الوعي بآلية الاستعراض الدوري وتعرف المواطنين بأهميتها وما يترتب عليها من نتائج .
  • لم تقوم اللجنة بنشر أي شىء متعلق بالمنهجية التي ستتبعها في إعداد التقرير والأدوار المحددة لأعضاء اللجنة في ذلك وكيف سيتم التوفيق بين أراء كل الأطراف .

 

ثانيا : موقف الصحافة المصرية

تصاعد اهتمام  الصحافة المصرية بالاستعراض الدوري الشامل لمصر بداية من شهر فبراير 2010 حتى وصل الى زروته خلال شهري يوليو وأغسطس الماضيين ، وذلك بتأثير الزخم الذي أحدثته منظمات المجتمع المدني والمتعلق بإعداد تقاريرها لآلية الاستعراض  ،فمن بين 61 موضوع صحفي نشر عن آلية الاستعراض الدوري الشامل خلال الفترة المذكورة كان نصيب شهري يوليو وأغسطس منها 40 خبرا ، كما تشير التغطية الصحفية إلى أن الأهرام وروزاليوسف كانتا الصحيفتين الأكثر اهتماما بالحدث من بين كل  الصحف القومية والمستقلة  طوال الفترة المنقضية من عام 2009 وبصورة تفوق اهتمام  الصحف الخاصة في حين لم يلقى الموضوع الاهتمام الكافي من بقية الصحف القومية التي اكتفى معظمها بنشر الخبر المتعلق بتشكيل لجنة إعداد التقرير الحكومي  ، بينما كانت جريدة الوفد هي أكثر الصحف الحزبية اهتماما بالموضوع ، في حين كانت صحيفة الشروق هي الأكثر اهتماما ما بين الصحف المستقلة التي غطت الحدث .

image002 image004 image006

ويلاحظ على تغطية الصحف لآلية الاستعراض الدوري الشامل خلال الفترة من أول يناير 2009 وحتى 2 سبتمبر 2010 ما يلي :-

  • التغطية الخبرية للموضوع هي التي كانت غالبة في حين غابت التحقيقات وأشكال المعالجة الصحفية الأخرى .
  • لم تهتم الصحف كثيرا بطرح معلومات متعلقة بآلية الاستعراض الدوري الشامل لتساهم في تعريف القارىء بها
  • كشفت المعالجة الصحفية عن أن أغلب الصحفيين ليس لديهم الكثير من المعلومات والمعارف فيما يتعلق بالآليات الدولية لحماية حقوق الإنسان عموما وآلية الاستعراض الدوري الشامل تحديدا ، وذلك نتيجة غياب فرص التدريب والتأهيل لهم في هذا الشأن .
  • ارتبطت التغطية الصحفية الخاصة بالاستعراض الدوري الشامل بفعاليات وأنشطة معينة تقيمها أو تدعو لها أو تشارك فيها منظمات المجتم المدني أو المجلس القومي لحقوق الإنسان ولم تكن تغطية مهتمة بالآلية نفسها .

ثالثا : – المجلس القومي لحقوق الإنسان

ربما يكون المجلس القومي لحقوق الإنسان هو المنظمة الوحيدة التي  بدأت في الاستعداد لآلية الاستعراض الدوري الشامل في وقت مبكر ، حيث قام المجلس بتشكيل لجنة للاستعراض الدوري الشامل من ثلاثة أعضاء هم الدكتور حسام بدراوي مقررا والدكتور صلاح عامر والأستاذة منى ذو الفقار عضوين ، كما دشن المجلس موقعا الكترونيا خاص بآلية الاستعراض الدوري ونشر عليه بعض المواد التعريفية المعنية بالآلية بالإضافة إلى أنشطة اللجنة المعنية بإعداد التقرير .

بالإضافة إلى ذلك فقد أبدى معظم أعضاء المجلس ورئيسه الدكتور بطرس غالي ونائبه الدكتور أحمد كمال أبو المجد اهتماما بالموضوع في أحاديثهم الصحفية وكلماتهم في المنتديات العامة المختلفة خلال عام 2009 .

وقد قام  المجلس ضمن أنشطته الحاصة بإعداد التقرير بما يلي:-

  • عقد جلسات استماع مع منظمات المجتمع المدني ، حيث تم عقد ثلاث جلسات استماع الأولى في القاهرة بتاريخ 6 يوليو 2009 ، والثانية في الإسكندرية بتاريخ 11 يوليو 2009 ، والثالثة في أسيوط بتاريخ 19 أغسطس 2009 .
  • نشر استمارة استطلاع رأي على 150 من الناشطين في منظمات المجتمع المدني استهدف التعرف على رؤيتهم للقضايا ذات الأولوية في العمل الحقوقي .

وقد اتم المجلس تقريره في 9 صفحات وقام بإرساله الى المفوضية في يوم 31 أغسطس 2009 ، وركز تقرير المجلس على القيود التشريعية على تحسين أوضاع حقوق الإنسان في مصر حيث تناول التعديلات الدستورية والقانونية التي تمت خلال العوام الثلاثة الأخيرة وأشار الى مواطن القصور فيها ، كما تناول التقرير حالة الطوارىء واستمرارها لفترة طويلة رغم وعود الحكومة المتكررة  بإنهائها .

وعلى صعيد الحقوق الإقتصادية والاجتماعية فقد ركز تقرير المجلس على البطالة وساكني العشوائيات وعدم تكافؤ الفرص في الحصول على هذه الحقوق ، كما تحدث التقرير عن ضرورة وجود قانون للتكافؤ وعدم التمييز  ، كما تناول قضية الألغام في منطقة الساحل الشمالي وتأثيرها على التنمية ، واعتمد المجلس في صياغة تقريره على الحديث عن الايجابيات ثم السلبيات ثم وضع توصيات محددة بخصوص الحق الذي يجري الحديث عنه .

 

رابعا : منظمات المجتمع المدني

لم تلقى آلية الاستعراض الدوري الشامل وخضوع مصر لها اهتماما كبيرا من منظمات المجتمع المدني إلا في بداية شهر يونية 2009 وتصاعد هذا الاهتمام خلال شهري يوليو وأغسطس ، بينما ندر الاهتمام بالأمر خلال الفترات الماضية واقتصر على مجرد تصريحات متناثرة في بعض الصحف لبعض أقطاب منظمات المجتمع المدني ذات الصفة الاستشارية في المجلس الاقتصادي والاجتماعي بالأمم المتحدة .

ومن ذلك ما جاء على لسان الأستاذ حافظ أبو سعدة الأمين العام للمنظمة المصرية لحقوق الإنسان أمام لجنة حقوق الإنسان بمجلس لشعب في فبراير 2009 من احتمالية تعرض مصر لموقف محرج أمام المجلس الدولي لحقوق الإنسان من جراء استمرار حالة الطوارىء ، وكذلك ما أعلنه من نية المنظمة وعدد من المنظمات الأخرى ذات الصفة الاستشارية لإعداد تقارير عن حالة حقوق الإنسان في مصر تقدم إلى آلية الاستعراض الدوري الشامل .

أما فيما عدا ذلك فلم يكن لآلية الاستعراض الدوري الشامل وجود يذكر على أجندة منظمات المجتمع المدني المصرية بما فيها المنظمات ذات الصفة الاستشارية ، واستمر هذا الوضع كذلك حتى  شهر يونية 2009 حيث بدأت بعض المنظمات تعلن عن نيتها لتقديم تقارير إلى آلية الاستعراض الدوري الشامل أو الدخول في تحالفات مع بعضها البعض ، و المنظمات التي أعلنتها عن نيتها هذه خلال هذه الفترة هي :

  • مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان أعلن عن تأسيس تحالف بالتشارك مع المنظمة المصرية لحقوق الإنسان يضم  25 منظمة  وذلك بغرض إعداد تقرير باسم التحالف  يقدم الى  المفوضية السامية لحقوق الإنسان .
  • المنظمة المصرية لحقوق الإنسان أعلنت عن نيتها لتقديم تقرير منفرد الى المفوضية .
  • المركز العربي لاستقلال القضاء والمحاماة أعلن عن نيته تقديم تقرير الى المفوضية ، ولم يحدد ما إذا كان سيدخل في تحالف مع منظمات أخرى أم لا .
  • مؤسسة ماعت للسلام والتنمية وحقوق الإنسان اعلنت عن الدعوة لتأسيس تحالف من منظمات المجتمع المدني لإعداد تقرير عن حالة حقوق الإنسان في مصر .

وخلال شهري يوليو وأغسطس  2009 بدأت خريطة التحالفات التي تم الإعلان عنها في الاتضاح والتشكل ، كما ظهرت تحالفات جديدة على الساحة لم يتم الإعلان عنها خلال شهر يونية 2009 ومن ذلك التحالف الذي يقوده المكتب العربي للقانون وظهر الى النور في شهر أغسطس 2009  .

وباقتراب موعد إغلاق باب التقدم بتقارير كان تحالف منظمات المدني الذي قادته مؤسسة ماعت قد استقر عند 49 منظمة ليعد هو التحالف الأضخم في تاريخ التحالفات الحقوقية المشابهة ، بينما تلى ذلك تحالف مركز القاهرة الذي أعلن أنه وصل الى 42 منظمة ثم تلى ذلك تحالف المكتب العربي للقانون الذي وصل الى 38 منظمة .

وشهدت هذه المرحلة حدوث انشقاقات داخل بعض التحالفات مثل تحالف مركز القاهرة الذي انشقت عنه المنظمة المصرية لحقوق الإنسان بسبب اعتراضها على صياغة التقرير ولهجته غير المنهجية بحسب وصف الأمين العام للمنظمة في تصريحاته للصحف ، بينما شهد تحالف مؤسسة ماعت توافقا كبيرا من الشركاء نظرا لترسيخ أسس مؤسسية من البداية في التعامل مع التقرير .

 

ملاحظات أساسية على تحالفات الاستعراض

يمكننا من خلال استعراض الصورة العامة لخريطة التحالفات التي ظهرت خلال هذه الفترة أن نخرج بالملاحظات التالية :-

  • فيما عدا تحالفي مركز القاهرة ومؤسسة ماعت لم يتم الدعوة للتحالفات الأخرى إلا في شهر أغسطس وهي فترة غير كافية على الاطلاق للاتفاق على اسس منهجية ووضع آليات لإعداد التقرير ومن ثم فهناك شكوك عما إذا كان التقرير يأتي معبرا عن وجهة نظر منظمات التحالف ككل .
  • بدت معظم التحالفات وكأن من يحركها ويسيطر عليها منظمة واحدة فقط هي الداعية للتحالف بينما المنظمات الأخرى ليس لها دور جوهري وملموس في إعداد التقرير ولم يعرف ما هي الآلية التي ستقوم بإعداد التقرير وكيف سيتم الاتصال بين الشركاء ، والاستثناء الوحيد من ذلك كان تحالف منظمات المجتمع المدني الذي قادته مؤسسة ماعت حيث تم تشكيل لجنة تنسيقية هي المسئولة عن إعداد التقرير من واقع تقارير المنظمات الشريكة في التحالف ونتائج استقصاء الرأي الذي تم إعداده بالتشاور مع الشركاء وتم من البداية تحديد مراحل معينة لإعداد التقرير وطريقة واضحة  للاتصال بالشركاء وعرض مخرجات كل مرحلة عليهم كما تم تسمية منسق للتحالف ومتحدث إعلامي بإسمه هو الاستاذ سعيد عبد الحافظ رئيس مجلس أمناء مؤسسة ملتقى الحوار .
  • لم تهتم معظم المنظمات بنشر استعداداتها للاستعراض الدوري الشامل وتحالفاتها ومحتويات تقاريرها على مواقعها الالكترونية ، بل إن معظم المواقع الالكترونية للمنظمات الحقوقية لم تحتوي على أي مادة منشورة متعلقة بالاستعراض الدوري الشامل ، ويستثنى من ذك مؤسسة ماعت والمكتب العربي للقانون .
  • في معظم ما نشر من تقارير التحالفات لم تحدد المسئولية عن النص المكتوب ، بمعنى هل كل المنظمات أعدت تقارير فرعية أم أن دورها اقتصر على التقييم والموافقة ، ويستثنى من ذلك تقرير تحالف منظمات المجتمع المدني الذي تقوده مؤسسة ماعت ، حيث تم توضيح ذلك في مقدمة التقرير بتحديد المنظمات التي شاركت في الإعداد عن طريق تقديم تقارير فرعية ، والأخرى التي شاركت بتقييم التقرير وإبداء الملاحظات عليه .
  • لم تهتم التحالفات التي خرجت إلى النور خلال هذه الفترة بوضع آلية منهجية مبتكرة لقياس مدى التزام مصر بتعهداتها الدولية التي قطعتها على نفسها ، واكتفت تقارير التحالفات بمحاولة توصيف حالة حقوق الإنسان في مصر دون ربطها بهذه التعهدات ، ويستثنى من ذلك كالعادة تقرير تحالف منظمات المجتمع المدني الذي تقوده مؤسسة ماعت الذي اعتمد على نتائج استقصاء رأي تم نشره للتعرف على رؤية المواطنين لمدى التزام مصر بهذه التعهدات ، وهو ما يعد إشراكا لفئة واسعة من المواطنين في صياغة التقرير .
  • استكمالا لنهج اشراك المواطن في صياغة التقرير فقد اعتمدت مؤسسة ماعت في تقريرها المنفرد على توظيف الفغاليات التي تقيمها لهذا الغرض حيث تم إعداد تقرير عن انتهاكات حق المواطن المحلي بناءا على مخرجات 33 حلقة نقاشية مع المواطنين في عدد من محافظات مصر ، ولم يعرف ما إذا كانت بقية المنظمات التي أعدت تقارير لآلية الاستعراض الدوري الشامل قد اعتمدت على مداخل مشابهة لإعداد التقرير أم لا .

 

منظمات المجتمع المدني والاكتفاء بالتقارير

التعاطي الإيجابي  مع آلية الاستعراض الدوري الشامل لا يتوقف عند حدود كتابة التقرير ولكنه يتجاوز ذلك الى السعي نحو نشر الوعي المجتمعي بالآلية وتعريف الناس بها وقياس مدى معرفتهم بالتعهدات الحكومية في المجال الحقوقي  والحرص على التواجد في جنيف عند خضوع مصر للاستعراض للاتصال مع الأطراف الدولية المختلفة سواء الحكومية أو غير الحكومية ، والعمل على وضع تصورات وبناء آليات للمراقبة المجتمعية على تنفيذ التعهدات التي ستلتزم بها مصر .

ولكن الملاحظ أن معظم منظمات المجتمع المدني المصرية اكتفت بإعداد التقارير في غرف مغلقة وبعيدا عن أي حوار مجتمعي فعال لترتكب نفس أخطاء وخطايا الحكومة المتكررة في تهميش المعنيين وأصحاب المصلحة ، كما أن هذه المنظمات لم تهتم بتنظيم فعاليات وأنشطة لنشر الوعي بالآلية المستحدثة بين فئات المجتمع المختلفة ، ويستثنى من ذلك منظمتين فقط أولهما مؤسسة ماعت التي قامت بعقد ندوتين في 1 يوليو 2009 ، و3 أغسطس 2009 بغرض نشر الوعي المجتمعي بآلية الاستعراض الدوري الشامل ، ولكن يؤخذ على هذا النشاط أنه لم يمتد لبقية المحافظات خارج القاهرة والجيزة .

وكذلك مؤسسة عالم واحد التي نظمت دورة تدريبية عن آلية الاستعراض الدوري الشامل ، ولكن يؤخذ على هذه الدورة أنها جائت في وقت متأخر جدا ( 19 أغسطس 2009 ) وهي فترة بالقطع غير كافية لاستفادة المتدربين بنتائج الدورة في التواصل مع آلية الاستعراض الدوري الشامل ، كما  أنه لم يترتب عن الدورة التدريبية آليات لتوظيف هذه المعارف في أي نشاط آخر مرتبط بالاستعراض الدوري الشامل ، وكل هذه الأمور تجعل مثل هذه الانشطة في هذه التوقيتات المتأخرة عديمة الجدوى وإهدار للموارد الحقوقية المحدودة بالفعل

 

استخلاصات ختامية

ربما يكشف لنا هذا التقرير إلى أي مدى كان اهتمام المجتمع بحدث تاريخي مهم لم يتكرر من قبل وهو خضوع مصر لآلية الاستعراض الدوري الشامل بالمجلس الدولي لحقوق الإنسان ، حيث كانت الخلاصة الأساسية أن الجميع ” استيقظ متأخرا ” كعادتنا في كل الأحداث القومية الهامة ولا يستثنى من ذلك أحد لا الإعلام ولا الحكومة ولا المجتمع المدني ، كما أنه ما من طرف من هذا الأطراف اهتم بنشر الوعي باللآلية المستحدثة على الرغم من أن وعي الناس بها مكون محوري من مكونات الرقابة الشعبية المنتظرة على تنفيذ التعهدات التي ستلتزم بها مصر .

وإذا كانت الحكومة صاحبة مصلحة أصيلة في حالة نشر الجهل بالاستعراض الدوري الشامل ، فما هي مصلحة منظمات المجتمع المدني والمجلس القومي لحقوق الإنسان في ذلك  ؟ أليس هذا هو أحد الأدوار المنوط تنفيذها بهذه  المنظمات ؟

ومن هنا فإن التوصية الأساسية التي نخرج بها من هذا التقرير هي حتمية العمل على نشر الوعي بالآليات الدولية لحماية حقوق الإنسان عموما وآلية الاستعراض الدوري الشامل تحديدا ورفع قدرات الإعلاميين وقادة الفكر والرأي في هذا المجال والعمل على بناء آليات وطنية لمراقبة مدى وفاء مصر بالتزامتها الدولية .

والأهم من ذلك كله هو أن تتعلم منظمات المجتمع المدني كيف تعمل معا في إطار فر يقي ، وأن تؤمن بأن مستقبلها مرهون بإقامة تحالفات وشبكات فيما بينها قائمة على الشراكة الكاملة والمتساوية بين كل الأطراف دون احتكار  طرف واحد لصدارة المشهد .

كما أنه على هذه المنظمات أن توجه طاقاتها وإمكانيتها نحو تحقيق الأهداف الحقوقية اللأكثر إلحاحا والعمل على تحسين كفاءة توظيف مواردها في أنشطة يكون لها مردود ايجابي على الفئات المستهدفة ، لأن العمل على نحو غير الذي ذكرناه لا يمكن أن يسمى  إلا ” رياء حقوقي ” وما أحوج الحركة الحقوقية الآن إلى التخلص من هذا الرياء .

 

جرائم الحرب الإسرائيلية في غزة نحو آلية للتوثيق والملاحقة

تمهيد

 أجمع المراقبون على أن الهجوم الإسرائيلي على غزة لا يمكن تبريره بأنه دفاع عن النفس، بل إنه يتعلق بانتهاكات جديدة للقانون الدولي، ويشكل جرائم حرب تقترفها إسرائيل بحق المدنيين في غزة كما أن  كبار القادة السياسيين والعسكريين الإسرائيليين يتحملون المسؤولية الشخصية عن تلك الجرائم ويمكن محاكمتهـم عن طريق أي محكمة دولية أو عن طريق المحكمة الجنائية الدولية ، وقد  توالت النداءات الشعبية ودعوات المنظمات الحقوقية والإنسانية الدولية المطالبة بإحالة مجرمي الحرب الإسرائيلية في قطاع غزة إلى المحكمة الجنائية الدولية للاقتصاص منهـم على جرائمهـم الدموية المقترفة بأحدث الأسلحة المحرمة دوليا في مجزرة استمرت فصولها من يوم 17 ديسمبر 2008 وحتى 27  يناير 2009 ، وهكذا فالأمر أصبح لا يتعلق بمجازر ضد فلسطينيين أبرياء وإنما بجرائم حرب وإبادة إنسانية تستلزم تحرك كل أصحاب الضمائر الحية في العالم لمحاسبة المسئولين عنها .

ولا يمكن  لإسرائيل أن تدعي الدفاع عن النفس، لأنها هي نفسها التي انتهكت الهدنة الموقعة بين الطرفين في شهر يونيه 2008  وذلك بفرضها للحصار الخانق على القطاع ورفضها القاطع والمستمر لتخفيف هذا الحصار ، وبرغم أن إسرائيل انسحبت من القطاع في العام 2005 إلا أنها لا تزال تسيطر على سواحل عزة وأجوائها ومنافذها البرية، ولذا فهي لا تزال تعتبر قوة احتلال، ويقع على عاتقها واجب حماية المدنيين في قطاع غزة.

و من النقاط المشجعة والتي   يمكن أن تساعد في التحرك المزمع لملاحقة إسرائيل وقاضتها ، ما أقره مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة  في قراره  الذي أدان فيه إسرائيل بسبب “الانتهاكات السافرة” لحقوق الإنسان في غزة. وصدر القرار غير الملزم بتأييد 33 عضوا وامتناع 13 عن التصويت ومعارضة كندا، بينما رفضته تل أبيب.

ودعا القرار الذي صاغته الدول العربية والآسيوية والأفريقية إلى إرسال بعثة دولية للتحقيق في الحملة التي تشنها إسرائيل على قطاع غزة، ودعا تل أبيب للتعاون مع مثل هذه البعثة ، ولكن تل أبيب رفضت هذا القرار غير الملزم، وقالت إنه أحادي الجانب ويجسد “عالما خرافيا” يعيش فيه المجلس والذي يستهدف إسرائيل بصورة أساسية ، وأيدت القرار روسيا والصين ودول أميركا اللاتينية في المجلس، ومن بينها الأرجنتين والبرازيل.

وجاء في نص الوثيقة أن المجلس المؤلف من 47 عضوا “يدين بشدة العمليات العسكرية الإسرائيلية الجارية التي أسفرت عن انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان الخاصة بالشعب الفلسطيني وتدميرا منهجيا للبنية الأساسية الفلسطينية”.

كما أن هناك شهادات من بعض  المنظمات الدولية والغوثية التي أيدت اقتراف إسرائيل لانتهاكات حقوق إنسان وجرائم حرب أثناء حربها على غزة فقد قال ”  جونغ غينغ  ” منسق وكالة الأونروا العاملة في فلسطين والتابعة للأمم المتحدة، إن هنالك الكثير من الحوادث الخطيرة في غزة بحاجة إلى تحقيق ودولي ” ، واتهـمت عدة هيئات حقوقية دولية تل أبيب باستخدام أسلحة لا تزال قيد الاختبار، وأخرى يحظر استخدامها في المناطق المأهولة.، كما تستعد هيئات حقوقية وإسلامية لرفع دعاوى قضائية على إسرائيل بتهـمة ارتكاب جرائم حرب في غزة .

المرجعية القانونية لمحاسبة إسرائيل 

يهـدف القانون الدولي الإنساني بالدرجة الأولى إلى حماية المدنيين في فترة النزاعات المسلحة، وبالتالي فقد استوجب القانون أن يراعي المقاتلون ما يلي:-

1- حماية الوحدات الطبية المدنية.

2- حماية أفراد الهيئات الدينية.

3- حظر الإضرار بالبيئة الطبيعية .

4- حظر قتل الخصم أو إصابته أو أسره باللجوء إلى الغدر.

5 – حظر هجمات الردع ضد السكان المدنيين أو الأشخاص المدنيين.

6- حماية الأماكن الثقافية وأماكن العبادة.

7 – حماية إرساليات الغوث، وتسهيل توزيعها السريع.

8- حماية النساء والأطفال.

9- حماية الصحافيين.

وأهـم المرجعيـات المحددة للقانون الدولي الإنساني والتي يمكن الاستناد إليها في محاسبة إسرائيل وتقديم المسئولين عن المجزرة التي ارتكبتها على مدار ثلاثة أسابيع متصلة  إلى العدالة الدولية ما يلي   :

1-  اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية التي عرضت للتوقيع عليها في 9 ديسمبر عام 1948 وبدأ نفاذ العمل بها في 12 يناير عام 1951

2- اتفاقيات جنيف الأربعة لعام 1949، بشأن حماية ضحايا الحرب.

3- البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيـات جنيف، المتعلق بحماية ضحايا النزاعات المسلحة الدولية ( 1977 ) .

4- البروتوكول الإضافي الثاني لاتفاقيـات جنيف، المتعلق بحماية ضحايا النزاعات المسلحة غير الدولية ( 1977 ) .

 ورغم أن إسرائيل بالفعل ليست طرفا في النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية ، لكن يمكن محاكمة مجرمي ومرتكبي هذه الجرائم إذا قررت الدول الأعضاء في مجلس الأمن إنشاء محكمة خاصة لمحاكمتهـم، أو يمكن أيضًا محاكمتهـم أمام المحاكم الوطنية للدول التي تقبل ذلك، حيث تسمح القوانين الوطنية في العديد من الدول الأوروبية بمحاكمة مرتكبي جرائم الحرب وانتهاكات حقوق الإنسان بغض النظر عن المكان الذي ارتكبت فيه، ومن أمثلة هذه الدول بلجيكا وهولندا و سويسرا .

 والمحاكم المختصة بمحاكمة قادة إسرائيل هي محاكم الدول الأعضاء في اتفاقيات جنيف و المحاكم الدولية الخاصة و المحاكم الوطنية و  المحكمة الجنائية الدولي،ويجب هنا أن ننوه إلى أن  إسرائيل مرعوبة تماماً من الملاحقة القانونية للمتورطين في جرائم الحرب حيث قامت بتعديل قوانين بها وجعلت كل من يدلي بمعلومات عن إدانة أي إسرائيلي يعاقب بالسجن لمدة 9 سنوات كما أنها قامت بمنع 87 قيادة عسكرية إسرائيلية متورطين في جرائم الحرب من السفر إلي دول أوروبية خوفاً من مواجهتهـم بمذكرات القبض عليهـم خاصة بعد محاكمة عدد منهـم في دول مثل سويسرا وهولندا وإسبانيا وبريطانيا لذا فلا بد للدول العربية أن توقع علي اتفاقية جنيف الرابعة وجعلها جزءاً من التشريع الوطني حتى تستطيع النيل من هؤلاء المجرمين بدلاً من السماح لهـم بالتجول في البلاد العربية بحرية تامة دون خوف.

 وهناك سوابق مشجعة لمحاكمة مجرمي الحرب الصهاينة؛ حيث استفاد ناجون من مذابح صبرا وشاتيلا من القوانين الأوروبية، ورفعوا دعوى ضد رئيس وزراء إسرائيل السابق “إريل شارون” أمام محكمة بلجيكية عام 2001 لمحاكمته على جرائمه، ولكن الضغوط الأمريكية والصهيونية انتهت لرفض محكمة الاستئناف البلجيكية القضية في يونيو 2002 بحجة أن قانون المحكمة لا يجيز محاكمة شخص لارتكابه جرائم ضد الإنسانية، إلا إذا كان هذا الشخص وقت رفع الدعوى متواجدا على الأراضي البلجيكية، وهي نفس الحجة التي أخذت بها محاكم ألمانية.

و الدول التي لها حق تحريك الدعوى الجنائية ضد إسرائيل هي: (الدول الأطراف في اتفاقيات جنيف الأربعة 1949) والتي يبلغ عددها 141 دولة و(الدول الأطراف في البروتوكول الأول 1977) والتي يبلغ عددها 146 دولة، و(الدول الأطراف في اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها 1948)، و(الدول الأطراف في اتفاقية عدم تقادم جرائم الحرب والجرائم المرتكبة ضد الإنسانية 1968)، و(الدول الأطراف في اتفاقية لاهاي الرابعة الخاصة بقوانين وأعراف الحرب 1907)، و(الدول الأطراف في ميثاق الأمم المتحدة 1945)، و(الدول الأطراف في النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية 1998)، بحيث يمكن لأي من هذه الدول أن تحرك الدعوى الجنائية ضد قادة وأفراد الجيش الإسرائيلي أمام المحكمة الجنائية الدولية .

خطوات محاكمة إسرائيل على جرائم الحرب التي ارتكبتها

هناك أربعة خطوات رئيسية يستلزم المرور بها لتقديم مجرمي الحرب الإسرائيليين إلى المحاكم المختصة  وهي   :-

1- توثيق ورصد أدلة الجرائم، سواء كانت أدلة طبية (آثار استخدام أسلحة محرمة دوليا مثل الفسفور الأبيض أو القنابل) من خلال الأطباء في مستشفيات غزة، أو أدلة مادية بواسطة الخبراء العسكريين والكيماويين (شظايا القنابل، أو تحليل التربة والهواء… الخ)، أو تصريحات للقادة الصهاينة حول الأهداف في غزة المتصلة بالجرائم.

2- رصد شهادات مسئولي المنظمات الدولية في غزة ، ممن فضحوا جرائم الحرب والذين سيكونون من أول شهود الإثبات مثل “جون جينج” رئيس عمليات وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (الأونروا) بقطاع غزة، ورئيس اللجنة الدولية للصليب الأحمر “جاكوب كيلنبيرجر”، وكذلك رصد أنواع الأسلحة المحرمة التي استخدمت في الحرب مثل الفسفور الأبيض، وقنابل الحرارة والضغط الفراغية (thermo baric)، والقنابل الوقودية الهوائية (fuel air bombs)، والقنابل الصغيرة، والمتفجرات المحشوة بالمعادن (DIME).

3– تحديد العناصر السياسية أو العسكرية الإسرائيلية التي ستوجه لها الاتهامات؛ باعتبار أن محاكم جرائم الحرب “فردية” تقتصر على محاكمة أفراد لا دول.

4- تحديد الجهات التي سوف تتولى رفع القضايا على مجرمي الحرب (محامون – هيئات قضائية)، والجهات القضائية التي سيجري رفع القضايا أمامها ( المحاكم المحلية – الأوروبية – الجنائية الدولية).

الوقائع التي تؤكد ارتكاب إسرائيل لجرائم حرب في غزة .

أولا : استهداف المدنيين والأماكن المدنية

حيث نصت المــادة 51 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقية جنيف الرابعة على  تمتع السكان المدنيون والأشخاص المدنيون بحماية عامة ضد الأخطار الناجمة عن العمليات العسكرية  و أوجبت المادة أنه لا يجوز أن يكون السكان المدنيون محلاً للهجوم،  كما حظرت المادة  أعمال العنف أو التهديد الرامية أساساً إلى بث الذعر بين السكان المدنيين، كما حظرت كذلك  الهجمات العشوائية واعتبرت  الهجمات العشوائية هي تلك التي لا توجه إلى هدف عسكري محدد، أو تلك التي تستخدم طريقة أو وسيلة للقتال لا يمكن أن توجه إلى هدف عسكري محدد، أو تلك التي تستخدم طريقة أو وسيلة للقتال لا يمكن حصر آثارها ومن ثم فإنها تصيب  الأهداف العسكرية والأشخاص المدنيين أو الأماكن المدنية دون تمييز ، كما اعتبرت المادة أن من الهجمات العشوائية  الهجوم قصفاً بالقنابل ، والهجوم الذي يمكن أن يتوقع منه خسارة في أرواح المدنيين أو إصابة بهـم أو أضراراً بالأماكن  المدنية .

كما نصت المادة 52 من البروتوكول على أن لا تكون الأعيان المدنية محلاً للهجوم أو لهجمات الردع ، وقصر الهجمات على الأهداف العسكرية فحسب،  وتنحصر الأهداف العسكرية  بحسب توصيف المادة في تلك الأماكن  التي تسهـم مساهـمة فعالة في العمل العسكري.

 وقد ارتكبت إسرائيل في حربها ضد غزة كل هذه المحرمات ، فعلى صعيد استهداف المدنيين فقد بلغ عدد الشهداء الفلسطينيين من جراء  الهجوم الإسرائيلي الذي استخدمت فيه القوات الجوية والبرية والبحرية إلى مقتل أكثر من 1315 فلسطينيا  بينهـم 410 أطفال وأكثر من 100 امرأة – والى إصابة أكثر من 5300 بجراح منهـم 1855 طفلا و795 امرأة ،علما بأن هذه هي الأرقام المسجلة لدى المؤسسات الصحية ، حيث أن هناك تقديرات ترتفع بهذا الرقم إلى 10000 جريح لأن نسبة كبيرة من الجرحى كانوا يتلقون العلاج في بيوتهـم لصعوبة الوصول إلى المستشفيات ، والمحصلة النهائية المتفق عليها  أن قرابة 50% من ضحايا العدوان الإسرائيلي كانوا أطفال ونساء أي أنهـم مدنيين بالتأكيد ، كما أن الغالبية العظمى من النسبة الباقية كانت من المدنيين الذين لم يشتركوا في عمليات القتال ضد الإسرائيليين .

و أبرز الوقائع على ذلك قيام إسرائيل بقصف مقار وزارة الداخلية  الفلسطينية مع أن الشرطة هيئة مدنية ، وقيامها بقصف مقرات عدد من الوزارات المدنية  الفلسطينية منها  مقرات وزارة العدل والمجلس التشريعي والدفاع المدني ووزارة التعليم إضافة إلى عدد من المحال التجارية والورش ، وكذلك قصف الكثير من المنازل باستخدام  القنابل  دون تحديد أهداف عسكرية معينة ، كما أن كل هذه الهجمات خلفت ضحايا من المدنيين أضعاف ما خلفته ممن أدعت إسرائيل أنهـم مقاتلين ، وقد مارست إسرائيل طوال حربها البربرية والممتدة لثلاثة أسابيع عملية تجويع للفلسطينيين ، كما أنها لم توفر البيئة الملائمة لانتقال المساعدات الإنسانية والغذائية إلى المحتاجين لها في قطاع غزة ، ويجب أن نذكر هنا أن عملية الحصار لشعب غزة كانت مستمرة طوال الشهور الماضية وحتى في ظل سريان اتفاق الهدنة ، وهو ما يمثل عقابا جماعيا كانت تمارسه إسرائيل ضد الفلسطينيين في غزة ، وهو ما يتناقض مع نصوص القانون الدولي الإنساني  ، حيث نصت المادة 54 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقية جنيف الرابعة على حظر تجويع المدنيين كأسلوب من أساليب الحرب ، و  حظر مهاجمة أو تدمير أو نقل أو تعطيل الأعيان والمواد التي لا غنى عنها لبقاء السكان المدنيين ومثالها المواد الغذائية والمناطق الزراعية التي تنتجها والمحاصيل والماشية ومرافق مياه الشرب وشبكاتها وأشغال الري، إذا تحدد القصد من ذلك في منعها عن السكان المدنيين أو الخصم لقيمتها الحيوية مهـما كان الباعث سواء كان بقصد تجويع المدنيين أم لحملهـم على النزوح أم لأي باعث آخر .

وقد وردت شهادات مثيرة لبعض شهود المذابح الإسرائيلية ومراسلي وكالات الأنباء وبعض المنظمات الحقوقية فيما يخص استهداف المدنيين ومنها مثلا ما  ورد لوكالة  أنباء إلى بي بي سي وجماعة إسرائيلية لحقوق الإنسان تفيد أن القوات الإسرائيلية أطلقت النار على فلسطينيين من سكان غزة كانوا يسعون إلى النجاة بأنفسهـم من منطقة القتال ، وقد اشترك صحفيو بي بي سي في غزة وإسرائيل في جمع معلومات تفصيلية حول هذا الموضوع  حيث قال بعض المدنيين الفلسطينيين في غزة أن القوات الإسرائيلية أطلقت النار عليهـم بينما كانوا يحاولون النجاة بأنفسهـم بل وإن بعضهـم كانوا يرفعون أعلاما بيضاء.

إحدى الشهادات التي استمع إليها صحفيو بي بي سي و” جماعة بتسليم” الإسرائيلية لحقوق الإنسان تقول إن امرأة فلسطينية تعرضت لإطلاق النار بينما كانت تغادر منزلها استجابة لنداءات من مكبرات الصوت الإسرائيلية، وكانت أيضا ترفع قطعة قماش بيضاء تلوح بها.

وتحدث فريق بي بي سي إلى أفراد أسرة أخرى قالوا إنهـم لا يستطيعون مغادرة منزلهـم بسبب القتال، بعد أن تعرضوا لإطلاق نار من قبل القوات الإسرائيلية عندما حاولوا مغادرة المنزل للحصول على مياه للشرب وبعض الأغذية، حتى خلال الهدنة المؤقتة التي استغرقت ثلاث ساعات.

ثانيا : استهداف دور العبادة  

 نصت المــادة 53 من البروتوكول الإضافي الأول  على حماية الأعيان الثقافية وأماكن العبادة و حظرت ارتكاب أي من الأعمال العدائية الموجهة ضد الآثار التاريخية أو الأعمال الفنية أو أماكن العبادة التي تشكل التراث الثقافي أو الروحي للشعوب ، كما حظرت المادة اتخاذ مثل هذه الأماكن محلاً لهجمات الردع.

ومع ذلك نجد أن إسرائيل انتهكت هذه المادة وقامت خلال عدوانها الأخير بقصف عدد من المساجد ، فقد قتلت  خمس شقيقات من عائلة بالوشة وهن نيام عندما تم استهداف مسجد تابع لحماس في مخيم جباليا في اليوم الثاني من عملية الرصاص المصبوب  ، كما  قصفت إسرائيل يوم 2 يناير 2009 مسجدا في مدينة جباليا ، كما  قتل 10 فلسطينيين على الأقل في قصف إسرائيلي طال احد المساجد  يوم 3 يناير 2009  ، كما قامت يوم 11 يناير بقصف  مسجد الفضيلة في مدينة رفح

ثالثا : استهداف المدارس و المستشفيات  وكالات الإغاثة

 أقرت المادة 18 من اتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب ، على أنه لا يجوز بأي حال الهجوم على المستشفيات المدنية ، كما نصت المادة 23 على  الدول الأطراف في الاتفاقية أن تكفل حرية مرور جميع رسالات الأغذية الضرورية والملابس والمقويات المخصصة للأطفال دون الخامسة عشرة من العمر والنساء الحوامل أو النفاس ، وكلها نصوص تستوجب حماية وتسهيل عمل منظمات الإغاثة التي تؤدي هذه الخدمات  ، وإضافة إلى ذلك فقد نصت المادة 52 من البروتوكول الإضافي  الأول الملحق  باتفاقية جنيف الرابعة على حظر استهداف الأماكن المدنية التي منها المستشفيات والمدارس   .

 وقد انتهكت إسرائيل في حربها على غزة كل هذه النصوص ، حيث قامت إسرائيل أثناء عدوانها بأبشع ما يمكن أن تأتي به قوة مقاتلة ، حيث تعمدت ضرب بعض المدارس منها  مدارس تابعة لوكالة غوث اللاجئين ” الأونروا “ ، وكذلك ضرب عربات إسعاف ومستشفيات تابعة للوكالات الغوثية التابعة للأمم المتحدة  ، فقد لقي ثلاثة أشخاص في غزة مصرعهـم نتيجة لهجوم إسرائيلي على مدرسة   ” أسمى “ الابتدائية التابعة لوكالة الغوث الدولية (الأونروا) في مدينة غزة ، وقد كان  الأشخاص الثلاثة ضمن ما يزيد عن 400 شخص ممن شردوا من منازلهـم في بيت لاهيا شمالي غزة والذين اتخذوا من المدرسة مأوى لهـم. المدرسة كانت محددة وبشكل واضح كمقر تابع للأمم المتحدة . الرجال الثلاثة، وهـم حسين محمد عبد المالك السلطان (24 عاما) وعيد سمير على السلطان (19 عاما) وروحي جمال رمضان السلطان (25 عاما) جميعهـم من نفس العائلة. وكان الرجال الثلاثة قد غادروا مبنى المدرسة لقضاء حاجتهـم في المجمع المدرسي عندما تلقت المدرسة ضربة مباشر،  وقد قدمت)  الأونروا ) احتجاجا صارما على مقتل أولئك الأشخاص للسلطات الإسرائيلية ودعت إلى إجراء تحقيق عاجل وغير منحاز. وطالبت الوكالة في حال تبين حدوث انتهاك للقانون الإنساني الدولي، بمحاسبة الأشخاص المسئولين عن ذلك الانتهاك. وارتكازا على القانون الدولي فان المقار كالمدارس والمراكز الصحية ومنشآت  (الأونروا ) محمية من الاعتداءات. ومن الجدير بالذكر أن الوكالة، وقبل بدء العمليات الحالية، كانت قد زودت السلطات الإسرائيلية بالإحداثيات الجغرافية لكافة منشآتها في غزة بما فيها مدرسة ) أسمى )  ، وفي حادث بشع أخر قتل 40 شخصا على الأقل، بما فيهـم عدد من الأطفال، وإصابة 55 بجراح في قصف مدفعي إسرائيلي لمدرسة ( الفاخورة )التابعة للأمم المتحدة في مخيم ( جباليا ) . وقال مسئولون في المنظمة الدولية إن المدرسة كانت تستخدم كمأوى لمئات الفلسطينيين الذين نزحوا عن مساكنهـم بسبب القتال ، كما قتل العديد من المدنيين عندما سقطت قذائف المدفعية الإسرائيلية قرب مدرسة وسوق في مدينة غزة يوم 4 يناير 2009 ،

إضافة إلى تدمير عدد من المدارس الأخرى ، واستهداف الجامعة الإسلامية في غزة ،  وكذلك رصد أطباء الصليب الأحمر الدولي شهادات عن قصف سيارات إسعاف وقتل قرابة 15 من الأطقم الطبية بغزة ،  كما استشهد أربعة فلسطينيين في قصف استهدف سيارة إسعاف في حادث أخر أثناء العدوان . وكانت منظمة الصليب الأحمر الدولي قد أكدت مرارا أنها تجد صعوبة في الوصول إلى العائلات المحاصرة بسبب الاشتباكات والتي يوجد بينها عادة جرحى وقتلى ، وقال إياد ناصر، الناطق باسم المنظمة في غزة، إن فرق الإسعاف تكافح من أجل الاستجابة لعشرات النداءات الهاتفية من مناطق لا يمكنها الدخول إليها.

رابعا : استخدام الأسلحة المحرمة دوليا

منذ القرن التاسع عشر، وفي إطار عملية تقنين القانون الدولي الإنساني، أراد المجتمع الدولي تنظيم وحكم استخدام الأسلحة التقليدية، مع السعي إلى تحديد أو حظر استخدام الأسلحة مفرطة الضرر أو تلك التي تتسم بشكل خاص بالقسوة والافتقار للإنسانية،  ومنذ إعلان سان بطرسبرغ للعام 1868 تم صياغة العديد من القواعد الدولية التي أدت إلى حظر استخدام بعض أنواع السلاح ، وفي العام  1980 وقعت معاهدة حظر وتحديد استخدام بعض الأسلحة التقليدية التي يمكن اعتبارها مضرة أو ذات آثار غير مميِزة.

والأسلحة المحرمة دولياً تشمل الأسلحة النووية والكيميائية والبيولوجية وأنواعاً أخرى من الأسلحة التقليدية ولعل السبب الرئيسي لتحريم هذه الأسلحة هو تجاوزها كونها مجرد سلاح حربي يستخدم ضد جيوش الأعداء إلى سلاح أعمى يقتل الجنود والمدنيين على حد السواء بل ويتعدى تأثيره إلى الجنود الذين يستخدمونه .

حيث حظر البروتوكول الأول لمعاهدة حظر وتحديد استخدام بعض الأسلحة ،  استخدام الأسلحة الرامية إلى إحداث جروح باستخدام شظايا أو أجزاء غير قابلة للكشف عبر الأشعة اكس” ،  كما حظر البروتوكول الثالث لنفس الاتفاقية استخدام الأسلحة الحارقة

  ومع ذلك فقد رصد المراقبون ومندوبي الوكالات الدولية والأطباء والمنظمات الحقوقية في الأراضي الفلسطينية  استخدام إسرائيل لعدد من الأسلحة المحرمة الدولية ، ومن أهـم هذه الأسلحة :-

1ـ الأسلحة الكهرومغناطيسية أو أسلحة المايكروويف (أسلحة الطاقة المباشرة):

فالتشوهات والإصابات التي رصدها أطباء المستشفيات في غزة أظهرت أنها عوارض لهذا السلاح المحرم تظهر في صورة تشويهات غير طبيعية للجثث وحرقها وإذابة الجلد مخترقة العظام، وهذا النوع من الأسلحة يتسبب في تقطيع أوصال الأشخاص المستهدفين وظهور حروق في أجزاء مختلفة من أجسادهـم.

2 – قنابل الحرارة والضغط الفراغية (thermo baric) والقنابل الوقودية الهوائية (fuel air bombs):

هذا النوع من الأسلحة يظهر أثره في انهيار الرئتين وتوقف في القلب من دون أسباب واضحة، بالإضافة إلى نزيف في الدماغ، وتفتت أو تفجر أعضاء الجسم الداخلية.

3- الفسفور الأبيض:

وهذه القنابل تظهر في هيئة جروح مختلفة وحروق من الدرجة الثالثة تمتد من الجلد نحو الأعضاء الداخلية ويصبح من المستحيل علاجها في بعض الأحيان، وهناك اعتراف رسمي إسرائيلي باستخدامها.

4ـ القنابل الصغيرة والمتفجرات المحشوة بالمعادن (DIME):

وهي عبارة عن قنبلة صغيرة القطر تحتوي على مركب في حالة كثيفة ومعادن خاملة متفجرة (DIME) في داخلها؛ مما يجعلها قادرة على الوصول بدقة قاتلة والانفجار ضد الأهداف السهلة مع انخفاض مذهل للأضرار الجانبية، وهي تحدث جروحا غريبة تتمثل في بتر للرجلين واليدين ووفيات غير مفهومة بعد أن يكون الأطباء قد عالجوا الجروح الظاهرة.

وقد ذكر أطباء مصريون دخلوا غزة أن إسرائيل تستخدم أسلحة كيماوية محرمة دوليا وفسفورا حارقا، وأن هناك أدلة طبية على ذلك مثل تعرض المصابين بمرض اللوكيميا (سرطان الدم) للنزيف الحاد بفعل الغازات السامة والمسرطنة المستخدمة في الأسلحة المحرمة وهو دليل طبي ملموس، فضلا عن التهابات الرئتين والحروق الكيماوية الناتجة عن غازات مهيجة وسامة في الجو، وهؤلاء مستعدون للشهادة أمام المحاكم الجنائية الدولية على هذه الجرائم الصهيونية.

 ومن بين شهود العيان الطبيب النرويجي “مادز جيلبرت” ويعمل متطوعا في مستشفى الشفاء بغزة فقال: “إن شكل الإصابات التي تصل إلى المستشفى يشير إلى احتمالية استخدام إسرائيل لقنابل الكثافة المعدنية الخاملة دايم (DIME) والتي تحدث ثقوبا في الأوعية الدموية وإصابات قاتلة لا ترى بالعين المجردة، ولا يكتشفها الأطباء، وتسببت في ارتفاع عدد حالات بتر الأرجل” ، وأضاف الطبيب الذي أمضى 10 أيام في غزة إلى  أن هناك دراسات تؤكد أن هذه الأسلحة تتسبب بسرطانات قاتلة خلال أشهر.

وقد أشار بعض الخبراء إلى  أن شهادات الأطباء والخبراء الواردة من غزة تشير إلى تشابه في جروح أطفال غزة وأطفال لبنان في حرب يوليو 2006، بالإضافة إلى ظهور أسلحة جديدة في حرب غزة لم يسبق استخدامها في لبنان.

خامسا : استهداف المنشئات الحيوية والبنية الأساسية

 تنص المادة 56 من البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقية جنيف الرابعة على أن لا تكون الأشغال الهندسية أو المنشآت التي تحوي قوى خطرة ألا وهي السدود والجسور والمحطات النووية لتوليد الطاقة الكهربية محلاً للهجوم، حتى ولو كانت أهدافاً عسكرية ، ومع ذلك فقد قامت إسرائيل طوال حربها البرية بتدمير البنية الأساسية لقطاع غزة وقصف محطات الكهرباء والجسور مما أدى إلى إصابة حياة الفلسطينيين بالشلل التام ، وقد قدرت الخسائر الناجمة عن العدوان الإسرائيلي فيما يتعلق بالمرافق الحيوية والبنية الأساسية بما يوازي 2 مليار دولار ، وهو مبلغ يصعب توفيره في ظروف القطاع الحالية ، إضافة إلى احتياج ذلك إلى سنوات لإصلاحه ، وتشمل الخسائر الدمار الذي حل بمراكز الأمن والبنية التحتية المتمثلة في الطرق وشبكات المياه وشبكات المجاري ومحطات الصرف الصحي، بالإضافة إلى الدمار في الجامعات والمداس وبيوت المواطنين المدمرة كليا وجزئيا ، وتضم الخسائر أيضا مجمع الوزارات والمؤسسات الحكومية والمؤسسات العامة والمساجد والسيارات ومولدات الكهرباء والمزارع ومنشآت القطاع الخاص ومحطات الوقود والغاز وسيارات الإسعاف وقطاع الاتصالات والورش الصناعية والتجارية وغيرها .

وللتدليل على حجم الانتهاك الذي قامت به إسرائيل فيما يخص المرافق الحيوية والبنية الأساسية يكفي أن نرصد  خسائر الأسبوع الأول فقط من الهجوم الذي استمر ثلاثة أسابيع وتمثلت في ،  تدمير  3624 منزلاً، و8 مساجد، و16 مدرسة، وعشرات المقرات الأمنية، بالإضافة إلى مجمع الوزارات الذي يضم وزارتي المالية والأشغال العامة، وتدمير حوالي 15 وزارة أخرى ، والجسرين الرابطين بين شمال وجنوب قطاع غزة، بالإضافة إلى  تدمير العديد من الشوارع وشبكات المياه والكهرباء والاتصالات والجامعة الإسلامية، وبعض المؤسسات التعليمية الأخرى.

 سادسا : استهداف الصحفيين ووسائل الإعلام  والمنظمات الحقوقية

يصون القانون الدولي لحقوق الإنسان – والمطبق أثناء فترات النزاع المسلح – الحق في حرية التعبير للصحفيين ومراقبي حقوق الإنسان ، حيث تشير المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان إلى الحق في الحصول على المعلومات ،  ويمكن للدول أن تقيد حرية التعبير من أجل حماية الأمن القومي، لكن بالقدر الذي يسمح به القانون وحسب الضرورة الفعلية وبناء على أسباب أمنية محددة. وتم شرح هذا المبدأ ضمن مبادئ جوهانسبرج لعام 1995 الخاصة بالأمن القومي وحرية التعبير وإتاحة الوصول للمعلومات ، حيث جاء نصا في  هذه الوثيقة أنه “ينبغي ألا يكون  أي حظر على حرية تدفق المعلومات ذات طبيعة مخالفة لقانون حقوق الإنسان والقانون الإنساني. وعلى الأخص، ينبغي على الحكومات ألا تمنع الصحفيين أو ممثلي المنظمات الحكومية الدولية وغير الحكومية، التي تراقب الالتزام بحقوق الإنسان والمعايير الدولية، من دخول مناطق توجد أسس منطقية للاعتقاد بوقوع انتهاكات لقانون حقوق الإنسان أو القانون الإنساني فيها أو سبق وقوع الانتهاكات فيها. وعلى الحكومات ألا تستبعد الصحفيين أو ممثلي مثل هذه المنظمات من دخول مناطق تعاني من أعمال العنف أو النزاع المسلح، إلا إذا كان وجودهـم يفرض خطراً واضحاً على سلامة الآخرين”  ، و لا يتعلق تواجد الصحفيين وباحثي حقوق الإنسان بالحق في المعلومات فقط ، بل أيضاً لأن تواجد المراقبين المستقلين أثناء النزاعات المسلحة يمكن أن يؤدي لعدول الأطراف عن ارتكاب الإساءات مما يعني إنقاذ حياة الأفراد.

 ورغم هذه النصوص الواضحة والقطعية نجد أن إسرائيل تمنع الصحفيين والحقوقيين من دخول غزة  وذلك  بشهادة المنظمات الحقوقية والإعلامية ،  فمنذ مطلع نوفمبر 2008، حين بدأ وضع وقف إطلاق النار المُبرم بين إسرائيل وحماس في التدهور؛ قيدت الحكومة الإسرائيلية كثيراً من دخول الصحفيين الأجانب ومراقبي حقوق الإنسان إلى غزة، ولم يُسمح لأي منهـم بالدخول منذ بدء العدوان العسكري  القائم في 27 ديسمبر ،  وتم منع الصحفيين الإسرائيليين من الدخول إلى غزة على مدار العامين الماضيين بسبب سياسة الحكومة الإسرائيلية القاضية بحظر دخول المواطنين الإسرائيليين إلى غزة بناء على أسباب أمنية  ، وكانت المحكمة الإسرائيلية العليا قد حكمت في 31 ديسمبر/كانون الأول 2008 بأن على الحكومة الإسرائيلية السماح لـ 12 صحفياً أجنبياً بالدخول إلى غزة .

وفي 21 نوفمبر/تشرين الثاني قام 22 شخصاً إدارياً من كبرى المنظمات الإخبارية في العالم، ومنها أسوشيتدبرس والبي بي سي والسي إن إن ورويترز، بإرسال رسالة إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي إيهود أولمرت، يشتكون فيها من “الحرمان الممتد وغير المسبوق لدخول الإعلام الدولي إلى قطاع غزة”.

وقد أدت القيود إلى خلق أجواء من الصعوبة الجمة في التغطية الصحفية، أكثر من الصعوبة التي واجهها الصحفيون أثناء حرب إسرائيل الكبرى الأخيرة، وهي النزاع مع حزب الله في لبنان في فترة يوليو/تموز وأغسطس/آب 2006. وفي ذلك الحين تمكنت وسائل الإعلام ومنظمات حقوق الإنسان من تغطية النزاع من الجانبين.

وقد وصلت انتهاكات إسرائيل في حربها البربرية على قطاع غزة إلى حد استهداف الصحفيين والإعلاميين بشكل مباشر رغم أن القانون الدولي يوفر حماية خاصة لهـم في ذلك ، و أقرت بنود عديدة في المواثيق الدولية على  أنه ينبغي احترام الصحفيين المدنيين المكلفين بتغطية النزاعات المسلحة وحمايتهـم بمقتضى القانون الدولي الإنساني من أي شكل من أشكال الهجوم العمدي ،  فالقانون الدولي الإنساني يسبغ على الصحفيين المدنيين الحماية نفسها المكفولة للمدنيين .

 حيث تنص المادة 79 من البروتوكول الأول الإضافي إلى اتفاقيات جنيف لعام 1949 على أنه  يعد الصحفيون الذين يباشرون مهـمات مهنية خطرة في مناطق المنازعات المسلحة أشخاصاً مدنيين و  يجب حمايتهـم .

 كما تشير دراسة اللجنة الدولية عن القواعد العرفية للقانون الدولي الإنساني (2005) في قاعدتها 34 من الفصل العاشر إلى أنه “يجب احترام وحماية الصحفيين المدنيين العاملين في مهام مهنية في مناطق نزاع مسلح ما داموا لا يقومون بجهد مباشرة في الأعمال العدائية ، وتستند ممارسات الدول إلى هذا المبدأ على أنه قاعدة من قواعد القانون الدولي العرفي الذي ينطبق في النزاعات المسلحة الدولية وغير الدولية على حد سواء.

ورغم ذلك فقد انتهكت إسرائيل هذه القواعد أكثر من مرة ، حيث  قصفت قوات الاحتلال  (برج الجوهرة )  في مدينة غزة يوم الجمعة 9 يناير ، والذي يتواجد فيه  حوالي 20 من مكاتب وسائل الإعلام العربية والفضائيات ، كما أصيب   صحفيان من طاقم قناة (أبو ظبي) بقصف إسرائيلي  استهدف مبنى برج الشروق في شارع عمر المختار وسط مدينة غزة؛ الذي يضم عددًا من وكالات الأنباء والمحطات الفضائية العربية والدولية ، بعدما  استهدف  الاحتلال البرج بصاروخ أطلقته طائرة حربية أدى إلى اشتعال النيران في إحدى الشقق في البرج.

والصحفيين الجرحى هـما :  محمد السوسي الذي أصيب بشظية في الرأس وأيمن الرزي المصاب بشظايا في جميع أنحاء جسده.

 ومن الوقائع الأخرى التي تثبت الاستهداف الإسرائيلي  للصحفيين ووسائل الإعلام ،   إصابة 10 صحفيين أثناء قصف مبنى فضائية (الأقصى) يوم 29 ديسمبر 2009 ؛ حيث استُشهد باسل فرج مصور التلفزيون الجزائري متأثرا بجراحه، وقصف مقار صحفية كمكتب جريدة الرسالة في 5 يناير 2009  كما استهدف جيش الاحتلال في وقت أخر مطبعة الرنتيسي.

وقد وصلت الحصيلة النهائية للصحفيين الذين اغتالتهـم إسرائيل أثناء عدوانها الوحشي على القطاع إلى 6 قتلى وعشرات الجرحى ،  ومن الجدير بالذكر هنا أن قادة الاتحاد الدولي للصحفيين قاموا بإرسال رسالة إلى الأمين العام للأمم المتحدة ” بان كي مون ” قائلين فيها  ” أن إسرائيل تخرق القانون الدولي ، وتتجاهل قرارات محكمتها العليا وتظهر عدم الاحترام للأمم المتحدة من خلال تجاهلها لمسؤولياتها المنصوص عليها في قرار مجلس الأمن رقم 1783 والمتعلق بحماية الصحفيين في مناطق الصراع ” .

التوصيات

 تشكيل لجنة من خبراء القانون الدولي والحقوقيين والشخصيات الدولية المساندة   للقضية الفلسطينية ، تكون مهـمتها التحرك من أجل حشد الرأي العام داخل المنظمات الدولية  في اتجاه تبني قرارات معنية بالتحقيق في الأوضاع التي خلفتها الحرب في غزة

  • تشكيل لجنة تنفيذية تتولى توثيق الجرائم الإسرائيلية في القطاع وترصد أدلتها وشهادات الشهود ، كما تحدد شخصيات ومناصب المتورطين في هذه الجرائم من الجانب الإسرائيلي والاستعانة في ذلك بكافة الوسائط التكنولوجية المتاحة لإعداد ملف كامل عن الجرائم .
  • تشكيل لجنة دفاع من القانونيين العرب لرفع القضايا أمام محاكم الدول ذات الاختصاص العالمي ، تختصم فيها القادة السياسيين والعسكريين الإسرائيليين .
  • مخاطبة حكومات الدول المصدقة على معاهدات جنيف وبروتوكولاتها الملحقة بهدف دفعهـم للتقدم بطلبات للمحكمة الجنائية الدولية للتحقيق في جرائم إسرائيل.
  • العمل على دفع الدول العربية التي لم تصدق بعد على معاهدات جنيف وبروتوكولاتها إلى التصديق عليها حتى يكون من حقها التقدم بطلبات للمحكمة الجنائية الدولية بهدف محاكمة قادة إسرائيل .
  • التنسيق مع المؤسسات الأجنبية والدولية والإسرائيلية التي  كانت شاهدة على الانتهاكات مثل منظمات غوث اللاجئين ، والفيدرالية الدولية  ، والصليب الأحمر ، ومؤسسة بتسليم الإسرائيلية .
  • إعداد برنامج تدريبي للقائمين على أمر المنظمات الحقوقية الفلسطينية ، وللعاملين بالحقل الإعلامي الفلسطيني فيما يتعلق برفع قدراتهـم في توثيق الانتهاكات الإسرائيلية وجرائم الحرب التي يرتكبونها في الأراضي المحتلة .
  • العمل على طرح موضوع الانتهاكات الإسرائيلية والجرائم التي ارتكبتها على جدول أعمال كل المنظمات الإقليمية والدولية التي تحظى المنظمات الأهلية والحقوقية العربية بعضويتها ، أو بوضعية استشارية فيها .
  • تشكيل لجنة تنسيق ومتابعة ، تكون في حالة انعقاد دائم بهدف متابعة ورصد ما يتحقق من توصيات والعمل على التنسيق بين الأطراف المعنية بالتحرك .

التنمية البشرية وحقوق الانسان وجهان لعملة واحدة

تمهيد

علاقة حقوق الانسان والتنمية البشرية كعلاقة الروح والجسد فلا يمكن الفصل بينهما فلن تتحقق التنمية البشرية في مجتمع يفتقر الى احترام حقوق الانسان التى بدورها  ستكون مصانة بالقطع في ظل المعدلات التنموية العالية ، كما أن المؤشرات والمعايير التى تقيس حالة حقوق الانسان في مجتمع ما متضمنة في منظومة المؤشرات المتعلقة بحالة التنمية البشرية  في نفس المجتمع ، إضافة الى أننا يمكن أن ننظر الى التنمية من منظور حقوقي باعتبارها حقا إنسانيا أصيلا كما أشارت الى ذلك كثير من  المواثيق الدولية .

وتستمد تلك العلاقة حيويتها من كون الهدف الأسمى لكافة الجهود التنموية هو تحقيق الرفاهية الاجتماعية “Social Welfare ”  . والتى لن تتحقق بإهدار كرامة الإنسان والحط من أدميته وانتهاك إنسانيته واقتحام خصوصيته  والتضييق من هامش الحرية الذى يستحقه  .

وقد اختلفت الرؤى حول علاقة التنمية بحقوق الإنسان طوال العقود الماضية، وخاصة في ظل الحرب الباردة بسبب التنافس بين إعطاء الأولوية للحقوق السياسية أو الحقوق الاقتصادية في الخطاب العام للدول، والمهم هنا هو معرفة حقيقة العلاقة بين حقوق الإنسان والتنمية ورؤية المجتمع الدولي والأمم المتحدة لهذه العلاقة .

و مثلما أن العلاقة بين التنمية وحقوق الإنسان قديمة، فهي جديدة أيضا وتبقي دوما مطلبا آنيا لكل الأمم والشعوب ولكل الأفراد المشكلين لها. وكذا التأكيد على القضاء على مختلف الانتهاكات الواسعة والصارخة لحقوق الإنسان وخاصة الشعوب و الأفراد الذين عانوا من اضطهاد الاستعمار. وكذا الاستعمار الجديد , والتميز العنصري, ومختلف التهديدات الموجهة ضد سيادة الدول ووحدتها الوطنية والسلامة الإقليمية , كل هذا من شأنه أن يؤثر على التنمية بمختلف أنواعها و مسمياتها.

ومهما يكن فإن العلاقة بين التنمية وحقوق الإنسان أساسها هو التأكيد على أن الإنسان هو الموضوع الرئيسي لعملية التنمية .وعليه لا بد أن يكون الإنسان هو المشارك الرئيسي والمستفيد الأساسي في العملية التنموية وعلى أن الحق في التنمية هو حق من حقوق الإنسان غير القابل للتصرف.

إذن العلاقة قائمة، والمفاهيم تتطور وتتغير وتتأثر بالمحيط الاجتماعي والسياسي والثقافي والأمني لكل من الحق في التنمية وكذا النظرة لمختلف حقوق الإنسان.

 

التنمية البشرية : رؤية حقوقية

أجمعت الأطر النظرية والتصورية التى صاغها الخبراء في مجال التنمية البشرية على تعريف التنمية الانسانية باعتبارها عملية توسيع خيارات البشر الى جانب ترسيخ منطق توسيع خيارات الناس بين البدائل المتاحة الأمر الذي يشير الى الحرية كقاعدة مركزية في تحقيق التنمية البشرية.
و التنمية البشرية من منظورها الأصلي تعني حق البشر الأصيل في العيش الكريم ماديا ومعنويا وجسديا ونفسيا وروحيا مما يقود الى نتيجتين رئيسيتين الأولى ترفض جميع أشكال التمييز ضد اي جماعات بشرية بغض النظر عن الجنس والنوع والأصل الاجتماعي و المعتقد.
أما النتيجة الثانية التي يقود لها حق الانسان في العيش الكريم ان مفهوم” الرفاه الاجتماعي”  في التنمية  لا يقتصر على التنعم بالحياة بل يزيد على ذلك ليطال الجوانب النفسية والمعنوية في الحياة الكريمة مثل التمتع بالحرية واكتساب المعرفة والكرامة الانسانية وتحقيق الذات النابع  من المشاركة الفعالة في شؤون المجتمع  .
وحقوق  البشر من حيث المبدأ غير محدودة وهي تتنامي باطراد مع رقي الانسانية و لكن النتيجة ان هناك ثلاثة ااستحقاقات أساسية هي العيش حياة كريمة وصحية والحصول على المعرفة الى جانب توافر الموارد اللازمة لمستوى معيشي لائق ، وتلك المكونات الثلاثة ( الصحة والتعليم والدخل ) هى المكونة لدليل التنمية البشرية الذى تعتمد عليه المؤسسات التنموية الدولية  في تصنيف المجتمعات وترتيبها .

وليس معنى ذلك أن هذه المؤشرات الثلاث فقط هى المشكلة لأبعاد التنمية الانسانية ، ولكنها الأبعاد التى يمكن قياسها على مستوى الدول  ، فهناك منظومة كبيرة من المعايير  تتناول مختلف جوانب الحياة الانسانية والتى يدخل في إطارها كل ما أشارت إليه أدبيات ومواثيق حقوق الانسان وتشريعاته الدولية .
فهي  تشمل الحرية السياسية والاقتصادية بالإضافة الى الاجتماعية وتوافر الفرص للإنتاج والإبداع ,وتتعدى التنمية البشرية ذلك لتصل الى  معاني سامية تتضمن استمتاع الفرد باحترام الذات وضمان حقوقه.
و تقوم عملية التنمية البشرية على محورين أساسين الاول بناء القدرات البشرية الممكنة من التوصل الى مستوى رفاه إنساني راق وعلى رأسها العيش الكريم لحياة طويلة وصحية واكتساب المعرفة والتمتع بالحرية لجميع البشر دون تمييز.
أما الجانب الثاني الذي تقوم عملية العملية التنموية فترتكز على التوظيف الكفء للقدرات البشرية في جميع مجلات الحياة بما فيها الإنتاج و وفعالية المجتمع المدني والسياسي في ظل تأكيد على ان توظيف القدرات يلزمة أفق واسع من الحرية بمعناها الشامل.
من هنا فان ايجاد مجتمعات تتمتع بمستوى مقبول من التنمية يلزمه توفر العديد من الأركان أهمها إطلاق الحريات والتعبير والتنظيم وايلاء اهتمام اكبر بالتعليم الراقي وتعميم البحث والتطوير بالإضافة الى التحول الحثيث نحو نمط إنتاج المعرفة في البنية التحتية .

 

حقوق الانسان والتنمية البشرية في المواثيق الدولية

اهتمت العديد من التقارير والمواثيق والمعاهدات الدولية بالربط بين حقوق الانسان والتنمية البشرية ،  فعلى سبيل المثال كانت   العلاقة بين التنمية البشرية – كأهم فروع التنمية الشاملة – وحقوق الإنسان القضية المحورية لتقرير التنمية البشرية لعام 2000م الصادر عن البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة، وخلاصة ما جاء في هذا التقرير أن حقوق الإنسان غير قابلة للتجزئة، ولا يمكن أن تخضع للانتقاء؛ وذلك لأن هذه الحقوق متشابكة ويعتمد بعضها على البعض، والأمثلة على ذلك كثيرة فمثلاً التحرر من الخوف والعوز يرتبط بحرية التعبير والمعتقد، وكذلك الحق في التعليم للفرد يرتبط بصحته، كما أن هناك علاقة وثيقة بين معرفة الأم للقراءة والكتابة وتمتع أطفالها بالصحة.

و يرجع الباحثون في قضايا حقوق الإنسان جذور العلاقة بين حقوق الإنسان والتنمية إلى الإشارة الواردة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في عبــارة “التحرر من العوز” كما هو موضح في ديباجة الإعلان، كما توجد أصول هذه العلاقة في العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وذلك عندما تَمَّ الربط المباشر بين تقدم حقوق الإنسان وسياسات الحكومات لتعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية وتنفيذ برامج التعاون الاقتصادي والتكنولوجي الدولية.

وقد استهدفت المواثيق الدولية أن تكفل برامج التنمية الاقتصادية والاجتماعية للفرد التمتع بحقوقه، وقد أرست القواعد الدولية نظاماً لمتابعة أثر التنمية على حقوق الإنسان والعكس، وذلك بمطالبة الدول بتقديم تقارير عن ذلك للجنة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بالأمم المتحدة، وكذلك طالبت الوكالات المتخصصة للأمم المتحدة، مثل منظمة العمل الدولية ومنظمة اليونسكو ومنظمة الصحة العالمية ومنظمة الفاو بأن تقدم تقارير حول أثر برامجها على الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية التى تقع في نطاق اختصاصاتها.

وأقرت الأمم المتحدة مبدأ هامًّا يقول: “إن تكافؤ فرص التنمية حق للدول بقدر ما هو حق للأفراد داخل الدول نفسها”، وقد اعتبرت أن الحق في التنمية هو حق غير قابل للتصرف وأن التنمية تمكن الإنسان من ممارسة حقوقه وأن الدول مطالبة بإتاحة تكافؤ الفرص للجميع ضماناً لوصولهم إلى الموارد الأساسية وإلى التعليم والخدمات الصحية والغذاء والإسكان والعمل والتوزيع العادل للدخل.

و قد كان  إعلان الحق في التنمية الذى اعتمد ونشر بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 41/128 المؤرخ في 4 /ديسمبر  1986  تجسيدا واضحا للعلاقة الوثيقة بين التنمية البشرية وحقوق الانسان فقد  جاء فيه أن التنمية عملية اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية شاملة تستهدف التحسين المستمر لرفاهية السكان بأسرهم والأفراد جميعهم على أساس مشاركتهم، النشطة والحرة والهادفة، في التنمية وفى التوزيع العادل للفوائد الناجمة عنها،

و أن  لكل فرد الحق ، بمقتضى أحكام الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، أن يتمتع بنظام اجتماعي ودولي يمكن فيه إعمال الحقوق والحريات المبينة في هذا الإعلان إعمالا تاما، كما  أشار في ذلك  إلى أحكام العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية،

و أشار  كذلك إلى ما يتصل بذلك من  الاتفاقيات والقرارات و التوصيات والصكوك الأخرى الصادرة عن الأمم المتحدة ووكالاتها المتخصصة فيما يتعلق بالتنمية المتكاملة للإنسان وتقدم وتنمية جميع الشعوب اقتصاديا واجتماعيا، بما في ذلك الصكوك المتعلقة بإنهاء الاستعمار، ومنع التمييز، واحترام ومراعاة حقوق الإنسان والحريات الأساسية، وحفظ السلم والأمن الدوليين، وزيادة تعزيز العلاقات الودية والتعاون فيما بين الدول وفقا للميثاق،

كما أشار ر إلى حق الشعوب في تقرير المصير الذي بموجبه يكون لها الحق في تقرير وضعها السياسي بحرية وفى السعي إلى تحقيق تنميتها الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بحرية، وحقها في ممارسة السيادة التامة والكاملة على جميع ثرواتها ومواردها الطبيعية مع مراعاة الأحكام ذات الصلة من العهدين الدوليين الخاصين بحقوق الإنسان،

كما أوضح  أن تعزيز التنمية يقتضي إبلاء الاهتمام على قدم المساواة لإعمال وتعزيز وحماية الحقوق المدنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والنظر فيها بصورة عاجلة وأنه لا يمكن، وفقا لذلك، أن يبرر تعزيز بعض حقوق الإنسان والحريات الأساسية واحترامها والتمتع بها إنكار غيرها من حقوق الإنسان والحريات الأساسية،

كما أكد على أن  الإنسان هو الموضع الرئيسي لعملية التنمية ولذلك فانه ينبغي لسياسة التنمية أن تجعل الإنسان المشارك الرئيسي في التنمية والمستفيد الرئيسي منها، و  أن الحق في التنمية حق من حقوق الإنسان غير قابل للتصرف، وأن تكافؤ الفرص في التنمية حق للأمم وللأفراد الذين يكونون الأمم، على السواء.

دعم المجتمع الدولي والأمم المتحدة للقضية

دعم المجتمع الدولي بكافة مؤسساته الرسمية والأهلية قضية الربط بين التنمية وحقوق الإنسان، وتم هذا الدعم من خلال عدد من المؤتمرات العالمية منذ عام 1986م، وكان أهم هذه المؤتمرات :

ـ المؤتمر العالمي لحقوق الإنسان في ” فيينا ” عام 1993م.

ـ مؤتمر السكان والتنمية “في القاهرة” عام 1994م.

ـ مؤتمر التنمية الاجتماعية في “كوبنهاجن” عام 1995م.

والملاحظ أن دعم المجتمع الدولى والأمم المتحدة لقضية التنمية وحقوق الإنسان، جاء في صورة تأكيد على عدد من المبادئ والأسس التى اعتبرتها الأمم المتحدة أساساً لتمتع الإنسان بعائد عمليات التنمية، حيث اعتبرت أن المشاركة والتعددية هما أساس التنمية الاقتصادية، ودعت إلى تعزيز سياسات وبرامج المنظمات غير الحكومية كجزء من المشاركة الشعبية وإبراز حريات الرأي والتجمع وتكوين الجمعيات التى تناقش قضايا التنمية.

ومن خلال دراسات الأمم المتحدة تبين أن أكثر القضايا إلحاحاً في عملية التنمية التي تؤثر على حقوق الإنسان، هي:

ـ تخفيف حدة الفقر.

ـ القضاء على مشكلة البطالة.

ـ تعزيز التكامل الاجتماعي.

وتبين أيضاً أن هناك ثلاث عقبات تحول دون إدماج حقوق الإنسان في عملية التنمية، وهي:

ـ أزمة الديون وما يترتب عليها من أعباء تقع في النهاية على عاتق الفرد.

ـ سياسات وبرامج الإصلاح الاقتصادي والأعباء التى تقع على عاتق الدول النامية لإنجاز هذه البرامج والسياسات التي – غالبًا – ما يكون لها آثار اجتماعية تنعكس على نوعية الحياة التى يعيشها الفرد.

ـ تذرُّع الحكومات بأسباب داخلية أو خارجية لتبرر عدم مراعاتها الحقوق والحريات الأساسية للأفراد.

خاتمة

من خلال الاستعراض السابق لمسألة العلاقة بين حقوق الانسان والتنمية البشرية يمكننا أن نضع أيدينا على جذور تلك العلاقة ونتعرف على مدى مركزيتها ومحوريتها وضرورة أخذها في الاعتبار عند تخطيط وتنفيذ أي نشاط يستهدف أيا من المجالين الحقوقي والتنموي .

لذا وفى ضوء كل ذلك فإننا نوصى بـ :

  • ضرورة مراعاة البعد الحقوقي في صياغة استراتيجيات وخطط التنمية سواء على المستوى الحكومي أو على مستوى التنظيمات الأهلية .
  • ضرورة ايلاء الجهات المانحة الاهتمام الكافي لمدى تضمين البعدين الحقوقي والتنموي في كافة المشروعات التى تقوم بتمويلها .
  • لا بد أن تهتم مؤسسات البحث والمعنيين بتقييم برامج التنمية من الناحية العلمية بدراسة الأبعاد الحقوقية في تلك البرامج .
  • تطوير مؤشرات علمية وموضوعية يمكن استخدامها لتسهيل مهمة قياس المكون الحقوقي في برامج التنمية والحكم على مدى جودته .
  • ضرورة التعاون بين المؤسسات الأهلية المعنية بحقوق الانسان والمؤسسات المعنية بالتنمية لمزج وتبادل الخبرات بينها .
  • الاهتمام الإعلامي بمسألة الربط بين حقوق الانسان والتنمية البشرية لتشكيل وعى عام بهذه القضية .