من وحي زيارة مجلس حقوق الإنسان لسجن العقرب

أثارت زيارة وفد من المجلس القومي لحقوق الإنسان لسجن العقرب، والتقرير الذي أصدره المجلس عن الزيارة عاصفة من ردود الأفعال المتباينة، وهي ردود فعل معظمها يقف على أرضية “سياسية” وليست “حقوقية”، حيث تلقت القوى المنحازة لجماعة الإخوان، أو تلك المعارضة لإجراءات ما بعد 3 يوليو 2013 برفض لكل ما جاء في التقرير، الذي أشار إلى خلو السجن من التعذيب المنهجي، كما أشار إلى عدم صحة الشكاوى التي قام المجلس على أساسها بزيارة السجن.

وفي المقابل تلقت القوى المجتمعية والسياسية المساندة والمؤيدة للسلطة الحالية، والتي ثارت ضد جماعة الإخوان قبل عامين، تقرير الزيارة بترحاب شديد على عكس تقارير أخرى سابقة للمجلس.
وسط كل هذا الضجيج تاهت مجموعة من الحقائق المهمة، وهي حقائق يصعب تجاوزها دون التوقف عندها طويلا واستخلاص دلالاتها ذات المغذى، وربا تكون أول هذه الحقائق هي التطور الذي يشهده” الدور القانوني لمجلس حقوق الإنسان”، بوصفه المؤسسة الوطنية المعنية بمتابعة مدى الالتزام بمعايير حقوق الإنسان في مصر، وهو تطور لا ينفصل عن الوضع الدستوري الجديد للمجلس الذي أقره دستور 2014، والذي وفر إطارا داعما لاستقلالية المجلس، ومن ثم تمكينه من الاضطلاع بدوره بعيدا عن أي ضغوط محتملة من السلطة التنفيذية.

لكن المشكلة أن الإطار الدستوري المقصود لم ينعكس بعد على القانون المنظم لعمل المجلس، خاصة وأن المادة  2014 من الدستور تنص على أن القانون يبين كيفية تشكيل المجالس القومية، واختصاصاتها، وضمانات استقلال وحياد أعضائها، وأعطي لها الحق في إبلاغ السلطات العامة عن أي انتهاك يتعلق بمجال عملها، ومن ثم فالنص يتطلب قانونا متكاملا يحوله إلى واقع إجرائي، وكنا نتمنى لو أن هذا القانون صدر خلال الفترة الماضية مستلهما روح النص الدستوري ومقاصده، وهو أمر لو حدث كان سيزيل الجزء الأكبر من حالة “الاستقطاب” التي تواجه بها تحركات المجلس وتقاريره.

لكن في كل الحالات تبقى زيارات المجلس المتكررة للسجون خطوة جيدة يمكن البناء عليها، ورغم أن هذه الإجراء يستلزم مزيدا من “التحرير” ليد المجلس في زيارة السجون ومقار الاحتجاز بدون انتظار موافقة وزارة الداخلية، إلا أن الزيارات في حد ذاتها ملمحا لم يكن موجودا بمثل هذه الكثافة من قبل.

الحقيقة الثانية أن المجلس تحرك بناءً على شكاوى قدمت له من أسر ومحامين لمحتجزين وسجناء ينتمون لجماعة الإخوان المسلمون المحظورة، كما أن الزيارة شارك فيها عضو المجلس الأستاذ محمد عبد القدوس المقرب من التنظيم، وقابلت البعثة عددا من قيادات الجماعة بينما امتنع البعض الآخر عن مقابلتها، ربما يكون لهذا الأمر دلالته المهمة فيما يتعلق بتعامل جماعة الإخوان مع المنظمات الحقوقية، فهي لا ترضى من هذه المنظمات بغير تبني وجهة نظرها كاملة حتى لو كانت مخالفة للحقيقة.

على أي حال نحن بحاجة ماسة إلى دور أكثر تطورا ومهنية في عمل مجلس حقوق الإنسان، وهو ما يستلزم بالضرورة إعادة هيكلة المجلس على أسس موضوعية بعيدة عن الحسابات السياسية، وهو ما يتطلب بالتبعية الإسراع بإصدار قانون منظم يتوافق مع الدستور، وفي نفس الوقت تطوير آليات العمل بالمجلس سواء على مستوى الكوادر البشرية أو على مستوى الأدوات والوسائل.

ما بين يناير 2011 ويناير 2016

Ayman-Okeil-GM-of-Maat-for-Peace-Development-and-Human-Rights

قبل أيام قليلة من الذكرى الخامسة لثورة المصريين في 25 يناير 2011، وبالتزامن مع دعوات “متقطعة” من قوى محسوبة على المعسكر المناهض للنظام الحالي لثورة جديدة، تصبح المقارنة بين دوافع ومقدمات الثورة الأم من جهة والدعوات الحالية الخارجة على السياق من جهة ثانية أمرًا ضروريًا ولازمًا.

والضرورة هنا ليس “سببها” المصادرة على حق أي فصيل في الدعوة للتظاهر السلمي، بل الغضب من النظام –أي نظام- والدعوة لرحيله بالطرق السلمية والقانونية المشروعة، ولكن سببها هو ذلك الخلط المتعمد والمشوه بل المزيف بين أهداف وغايات فصيل أو فصائل أو تيارات أو حركات أو تجمعات محددة منخرطة في تلك الدعوة، وأهداف وغايات السواد الأعظم من الشعب المصري، الذي يملك وحده حق منح الشرعية أو حجبها، وسوابقه في 25 يناير 2011، ثم 30 يونيو 2013 شاهد على ذلك.

إن مقدمات ثورة 25 يناير 2011 كانت مختلفة بشكل جذري عن اللحظة الراهنة التي تعيشها مصر، فقبل الثورة مباشرة كانت مسارات التغيير السياسي من خلال الانتخابات شبه مستحيلة، بسبب ممارسات التزوير المنهجي التي شهدتها كل الانتخابات في عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، وقد كانت انتخابات البرلمان في نهاية 2010 بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير، بعدما مارس قادة الحزب الوطني وبعض أجهزة الدولة المتواطئة معهم التزوير وتزييف إرادة الناخبين على نطاق واسع، وأقصوا الأصوات المعارضة تمامًا عن المشهد السياسي، فيما بدا وكأنه تمهيد لتوريث السلطة لنجل الرئيس الأسبق من خلال برلمان معظم أعضائه موالٍ لم يأتوا بأصوات الناخبين، بل بتدخلات غير مشروعة للسلطة الحاكمة آنذاك.

من ناحية أخرى كان الفساد بجد منتشرًا ولا توجد إرادة سياسية حقيقية لمكافحته ولا حتى آليات لمواجهته.

أضف إلى ذلك مساوئ وعيوب دستور 1971 الذي كان حاكمًا آنذاك، والذي كان مقيدًا الحقوق والحريات العامة، وكان يجعل السلطة التنفيذية متغولة على سلطتي التشريع والقضاء، فضلا عن حالة الطوارئ التي فرضها نظام مبارك طوال فترة حكمه، وأغلق من خلالها المجال العام وصادر العمل المجتمعي ووضع الآلاف في المعتقلات دون محاكمة عادلة ودون أي اعتبار لقرارات جهاز النيابة العامة والأجهزة القضائية المعنية.

أما مساحة العمل الحزبي فقد كانت مغلقة بالضبة والمفتاح أمام أي تنظيم سياسي جاد، حيث حرم الملايين من حقهم في تكوين الأحزاب والانضمام إليها، ووضعت مسئولية إشهار الأحزاب وحلها في يد لجنة يديرها قادة الحزب الوطني، وبالتالي فقد منعوا وصول أي تنظيم حزبي جاد لمقاعد المنافسين، وحجبوا الشرعية عن أي مجموعة حاولت تكوين حزب رافض دور الكومبارس في المسرحية السياسية التي لعبها مبارك ونظامه على مدى 30 عامًا.

فهل من العدل والإنصاف مقارنة هذه المقدمات التي ما كان المصريون ليتخلصوا منها بغير الثورة، بحقائق المشهد الحالي المختلف جذريًا عما كان ؟

فالواقع الحالي يشهد بأن التغيير من خلال الانتخابات أصبح أمرا متاحا، وحتى مع وجود سلبيات طفيفة في العملية الانتخابية، فإنها أبدا لم تنتج عن تدخلات سلبية للسلطة، والدولة أثبتت حيادها التام والمطلق خلال ثلاثة استفتاءات دستورية، ومرتين لانتخاب رئيس الجمهورية ومرتين لانتخابات البرلمان، وبالتالي فالتغيير من خلال الصندوق أصبح مرهونًا بإرادة الناس وليس إرادة الحاكم.

كما أن محاربة الفساد أصبح لها مكانتها في الخطاب السياسي الرسمي للرئيس وحكومته، والأحداث التي شهدناها خلال العام ونصف العام الماضى خير دليل على ذلك، فالأجهزة الرقابية تتحدث عن وقائع الفساد بلا سقف ولا قيود، ولأول مرة في التاريخ المصري الحديث يتم تقديم وزير للمحاكمة بتهمة الفساد، وهناك استراتيجية وطنية معلنة لمكافحة الفساد، وبالتالي فالإرادة متوفرة لمحاربته حتى لو كانت وقائع الفساد ما زالت باقية وبارزة.

والدستور الذي نعيش في إطاره حاليًا يصون الحقوق والحريات، ويعبر بشكل واضح عن تطلعات وآمال وأحلام المصريين، وحالة الطوارئ والقوانين الاستثنائية ولت بلا رجعة، ولم تلجأ إليها السلطة رغم ما تواجهه من إرهاب منظم وغير تقليدي.

وأما تكوين الأحزاب فقد أصبح بالإخطار، ولدينا على الساحة حاليا ما يزيد على 100 حزب سياسي منها 44 شاركت في آخر انتخابات برلمانية، ومعظمها يعمل بحرية مطلقة في الشارع دون أي قيود.

في ضوء هذه المقارنة العادلة والموضوعية تفتقد الدعوة ثورة جديدة مبرراتها المنطقية، وتصبح جزءًا من عملية فوضى يريدها أصحاب الدعوة شاملة وعامة، لكن دعاة الفوضى تناسوا أن الشارع أكثر إدراكًا وذكاءً منهم، ورده على دعوتهم في 25 يناير 2016 سيكون خير دليل على ذلك.

Reading through Egyptian parliamentary elections

The first phase of the Egyptian parliamentary elections ended but its implications and repercussions are not over yet. The societal debate about its positives and negatives will remain in place for weeks to come at least. The most important thing is that this debate is free of traditional accusations that characterised the elections prior the 25 January Revolution in 2011.

The state’s biases and its interventions and the facts of fraud and systematic manipulation are no longer the subject of criticism, especially since the revolution watershed such practices.

The controversial point now is the behaviour of candidates and the impact of irregularities committed by many of them on the electoral results. The most important point is the low turnout rates during the first phase, with only 26% turnout of all potential voters, according to the Supreme Electoral Commission (SEC).

It is very low turnout, compared to the presidential elections in May 2014 or the parliamentary elections held by in 2012. However, it is much higher than the rates before the 25 January Revolution. This opened the door to a community debate over the justifications and the motives of that meagre participation. Did voters boycott the elections? Or are there other motives than political justifications?

Let us recognise that the turnout and participation rates were very low and they are not commensurate with the importance of the next parliament or the requirements of this delicate phase in Egypt. Considering the low turnout is a result of a boycotting campaign is illogical and contradicts several objectives, undermining the basis of this proposal.

The first stage of Egypt’s parliamentary elections saw partisan participation with 44 political parties in the electoral process and candidates competing for the individual and list seats. Most parties were formed following the 25 January Revolution and many oppose the current regime. Parties’ candidates accounted for more than 34% of the total number of candidates during the first phase and parties won over 50% of the seats.

Previous figures clearly indicate that the political forces and party actors, except for those of the Muslim Brotherhood, did not boycott the elections or call for a boycott campaign. Therefore, the low turnout was not the result of political action and cannot be defined as boycotting. It is simply an Egyptian reluctance to participate in the elections, a behaviour which will take a relatively long time to change, and will need double effort of from political parties, the media, and civil society organisations to raise awareness and motivate people to get involved.

The low participation is due the negative role played by the media prior to the elections. There was a clear shortage in raising the issue of the parliamentary elections to their importance and the media was often more interested in other trivial issues.

Low participation in the elections overshadowed other positive features witnessed during the first phase of the elections. For the first time in many years, five women won individual seats without the application of quota. Three Coptic Christians also won seats in districts crowded with Muslims.

The rise of women and Copts in the first phase of the Egyptian parliamentary elections carries positive signs that a significant change has occurred in the attitudes and motivations of Egyptians voters. The chain of sectarianism and bias against women is close to breaking, taking into account that women and Copts won seats in poor traditional districts.

Ayman Okeil is the General Manager of Cairo-based NGO, the Maat Foundation for Peace, Development and Human Rights

الانتخابات البرلمانية المصرية .. قراءة في الدلالات

انتهت المرحلة الأولى للانتخابات النيابية المصرية  لكن دلالات وتداعيات  هذه المرحلة لم تنتهي بعد ، والجدل المجتمعي حول ايجابياتها وسلبياتها سيظل قائما لأسابيع قادمة على الأقل ،  لكن  يبقي الملفت للنظر في هذا الجدل  هو خلوه من تلك الاتهامات التقليدية التي كانت توجه لانتخابات ما قبل يناير 2011 .
إذ لم تعد تحيزات الدولة وتدخلاتها ووقائع التزوير المنهجي  والتلاعب الصريح بأصوات الناخبين والطعن في حياد الهيئة المشرفة على العملية الانتخابية هي موضع السخط والنقد من القوى السياسية والفاعلين في المشهد المصري  ، خاصة بعد أن وضعت ثورة المصريين حدا فاصلا لهذه الممارسات .
لكن النقاط الجديدة مثار الجدل الآن هي  سلوكيات المرشحين ومدي تأثير المخالفات التي ارتكبها الكثير منهم على نتائج العملية الانتخابية ، بالإضافة للقضية الأهم والأبرز وهي المتعلقة  بمعدلات المشاركة المنخفضة  في التصويت بالمرحلة الأولى لانتخابات البرلمان ،  وهي المعدلات التي وصلت – وفق البيان الرسمي الصادر عن اللجنة العليا للانتخابات – إلى أكثر بقليل من 26% من إجمالي المقيدين بقاعدة بيانات الناخبين   .
مقارنة بانتخابات الرئاسة التي أجريت في مايو 2014 ، أو بالانتخابات البرلمانية التي أجريت نهاية عام 2011 ومطلع 2012  تعد هذه المعدلات منخفضة كثيرا ،  لكنها تبقي أعلى بكثير من متوسط المشاركة التصويتية للناخبين قبل ثورة يناير 2011 ، وقد فتح هذا الانخفاض الباب واسعا أمام جدل مجتمعي حول مبررات ودوافع تلك المشاركة الهزيلة ..فهل  تعبر عن حالة مقاطعة للعملية الانتخابية ؟ أم أن هناك دوافع أخرى تقف وراءها  بعيدا عن التفسيرات السياسية ؟
دعونا نقر بداية أن معدلات المشاركة كانت بالفعل منخفضة لا تتناسب مع أهمية البرلمان القادم ، ولا تتناسب مع ما تتطلبه المرحلة الدقيقة التي تمر بها مصر من مشاركة واسعة للمواطنين في إدارة الشأن العام ، إلا أن اعتبار معدلات المشاركة المنخفضة جزء من حملة مقاطعة للعملية الانتخابية  تفسير يفتقد تماما للمنطق ويتناقض مع عدة شواهد موضوعية تنسف هذا الطرح من أساسه .
فالمرحلة الأولى من الانتخابات البرلمانية المصرية  شهدت مشاركة حزبية واسعة النطاق ، حيث أن هناك 44 حزب سياسي شاركوا في العملية الانتخابية بمرشحين على مقاعد الفردي وعلى مقاعد القوائم ، غالبية هذه الأحزاب تأسست عقب ثرة يناير 2011 ، والكثير منها  يعارض  توجهات السلطة الحالية  ، وقد بلغت نسبة المرشحين  المنتمين لأحزاب من إجمالي المرشحين خلال المرحلة  الأولى أكثر من 34%  ،  وفازت الأحزاب بأكثر من 50% من عدد المقاعد .
الأرقام السابقة تشير بوضوح  أن القوى السياسية والأحزاب الفاعلة – ماعدا تلك المحسوبة أو القريبة من جماعة الإخوان – لم  تقاطع العملية الانتخابية ولم تدعو لمقاطعتها  ، وبالتالي  فانخفاض المشاركة لم يكن  فعلا سياسيا مؤسسيا ، ولا يمكن تفسيره على أنه عملية مقاطعة للعملية الانتخابية ، بقدر ما هو ميل طبيعي لدي كثير من المصريين للعزوف عن المشاركة في الانتخابات ، وهو أمر سيحتاج وقت طويل نسبيا لتغييره ، وسيحتاج جهد مضاعف من الأحزاب والإعلام ومنظمات المجتمع المدني  للتوعية وتحفيز الناس على المشاركة .
انخفاض المشاركة يرجع في كثير من جوانبه إلى الدور السلبي الذي لعبه الإعلام  خلال الفترة السابقة للعملية الانتخابية ، حيث كان هناك تقصير واضح في طرح قضية الانتخابات البرلمانية  بالشكل الذي يتناسب مع أهميتها ، حيث انشغل الإعلام كثيرا بقضايا هامشية تافهة  على حساب  انتخابات البرلمان .
المشاركة المنخفضة في الانتخابات  طغت على ملامح إيجابية أخرى شهدتها المرحلة الأولى من الانتخابات البرلمانية المصرية ، فلأول مرة منذ سنوات طويلة تنجح  5 نساء في الفوز بمقاعد  بدوائر النظام الفردي  ودون الحاجة لتطبيق نظام  الكوته الذي يضمن تمييزا إيجابيا لها ، كما أنه لأول مرة ينجح ثلاث أقباط في الفوز بمقعد دوائر غالبية ناخبيها مسلمون .
إن صعود النساء والأقباط في المرحلة الأولى للانتخابات البرلمانية المصرية يحمل  دلائل ايجابية على أن تغييرا مهما حدث في توجهات ودوافع تصويت المصريين ، وأن  كسر حلقة الطائفية والتحيز ضد المرأة  بات قريبا وفي متناول اليد ، أخذا في الاعتبار أن النساء والأقباط فازوا بالمقاعد بدوائر تنتمي لأحياء فقيرة وتقليدية ، وهو أمر آخر له دلالته أيضا .

فوز الرباعية التونسية بجائزة نوبل.. رسائل لمن يفهمها

Ayman
إعلان فوز لجنة الحوار الرباعية التونسية بجائزة نوبل للسلام هذا العام، يحمل أكثر من رسالة وفي أكثر من اتجاه ولأكثر من طرف، ليس فقط داخل العزيزة تونس، ولكن على امتداد دول الربيع العربي.

الرباعية التونسية – لمن لا يعلم – هي عبارة عن ائتلاف يضم أربعة من أهم مكونات المجتمع المدني التونسي بمفهومه الواسع، وهذه المنظمات هي: الاتحاد العام التونسي للشغل، الاتحاد التونسي للصناعة والحرف والصناعات اليدوية، الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان، ونقابة المحامين التونسيين، وقد تشكلت اللجنة الرباعية عام 2013 “في الوقت الذي كانت الساحة التونسية تشهد احتقانا واضحا بين أطراف اللعبة السياسية هناك”.

واستطاعت لجنة الحوار الرباعية، أن ترعى وتدير حوارا فعالا وإيجابيا بين الأطراف السياسية المتصارعة، وهو ما أدى لقبول واسع بنتائج هذا الحوار، أثمر في النهاية إقرار الدستور التونسي، ثم إجراء الانتخابات البرلمانية والرئاسية التونسية، واستكمال بناء المؤسسات الدستورية.

إن نجاح دور الرباعية التونسية في عملية الانتقال الديمقراطي التونسي، يفتح أبوابا واسعة من الأمل للمجتمع المدني في المنطقة العربية، ويؤسس لدور جديد وفعال لهذه المنظمات القائمة على العضوية الطوعية، وتستند بالأساس لمجموعة من القيم الحقوقية الصرفة غير المحسوبة على فصيل أو تيار سياسي بعينه.

في ذات الوقت، فإن هذه التجربة الثرية والفارقة تحمل في طياتها رسائل مهمة لكل من منظمات المجتمع المدني الأخرى في المنطقة العربية، وللسلطات الحاكمة في المنطقة في ذات الوقت.

ربما تكون الرسالة الأهم، هي تلك التي يجب أن تتلقفها منظمات المجتمع المدنى الأخرى بكل تنويعاتها (جمعيات ومؤسسات ونقابات واتحادات وروابط)، وجوهر الرسالة أن هذه المنظمات يمكنها أن تلعب دورا فارقا في الانتقال السلمي للسلطة في البلدان التي تعاني صراعا سياسيا بين أيديولوجيات متعارضة، لكن نجاحها في هذا الدور مرهون بعدة أمور، لعل من أهمها الفصل القاطع بين ما هو سياسي وما هو حقوقي، والوقوف على مسافة واحدة من الفرقاء السياسيين، والاستناد لأرضية وطنية خالصة بعيدة عن التجاذبات الحزبية والأيديولوجية، وقبل ذلك وبعده صدق النوايا وإخلاص العمل.

الرسالة الأخرى التي يفرضها فوز الرباعية التونسية للحوار بجائزة نوبل، موجهة للسلطات الحاكمة في البلدان العربية، هذه الرسالة مفادها أن منظمات المجتمع المدني تستحق أن تأخذ دورا أكبر وأهم، وتستحق أن تعمل في مناخ تشريعي وسياسي وإجرائي أكثر ملاءمة مما هي فيه الآن، فمنظمات المجتمع المدني شريك حقيقي ومحايد ومستقل ووطني في عملية الانتقال الديمقراطي والتنمية بمفهومها الشامل.

لقد كانت تونس وشعبها سباقين في انطلاق مسيرة الربيع العربي، وسباقين في تنحية القوى الظلامية التي حاولت السطو على منجزات ونتائج الثورات العربية، وها هو مجتمعها المدني يسبق أيضا في نيل احترام العالم وتقدير اللجنة المسئولة عن أهم الجوائز في ميدان إقرار السلام، والأمل الآن معقود على منظمات المجتمع المدني الأخرى وعلى الحكومات والسلطات الحاكمة؛ لاستلهام هذا النموذج وتكراره؛ لوضع حد للصراعات المذهبية والسياسية التي تؤرق المنطقة.

إقالة الحكومة وحرص الرئيس على نزاهة الانتخابات البرلمانية

أيمن عقيل

لأول مرة في التاريخ السياسي المصري تتم إقالة وزير، ثم حكومة كاملة بسبب قضية فساد، فرغم أنها ليست المرة الأولى التي تتهم فيها حكومة ما بارتكاب جريمة الفساد أو التستر على مرتكبيها، فتاريخ الحكومات في مصر قبل ثورة يناير 2011 يشهد عشرات الوقائع، فإن تعامل القيادة السياسية مع القضية هذه المرة جاء مختلفًا ومتجاوزًا لكل ما اعتدنا عليه على مدى الأعوام الــ60 الماضية.

فقد شهد منتصف الأسبوع الماضي إجبار وزير الزراعة على الإقالة ليتم القبض عليها بعدها بدقائق وعلى بعد 100 متر من مقر مجلس الوزراء كمتهم في قضية فشاد ضخمة بوزارته، متورط فيها رسميًا– وفقًا لبيان النيابة العامة- رجل أعمال شهير وشخص محسوب على الوسط الإعلامي، ومدير مكتب الوزير المقال، بالإضافة بالطبع إلى الوزير نفسه، وبعدها بأقل من أربعة أيام تجبر الوزارة بكاملها على تقديم استقالتها ليتم تكليف وزير لم يتورط في قضايا أو شبهات فساد “وزير البترول المهندس شريف إسماعيل” بتشكيل حكومة جديدة خلال أسبوع.

بلا شك نحن إزاء طريقة جديدة في معالجة قضايا الفساد، الرئيس عبد الفتاح السيسي أكد بقراراته الأخيرة أنه غير متسامح مع الفساد كظاهرة وكفعل، وأنه لن ينحاز لأي اعتبارات أخرى طالما جرم الفساد أو التستر عليه أو التهاون في محاربته حاضر في المشهد، وربما تجدر الإشارة إلى عدة نقاط مهمة في موقف وقرارات الرئيس:

أولا: الرئيس لم يتردد في إقالة ومحاسبة وزير هو مسئول بشكل أو بآخر عن اختياره، وبالتالي هو لم يكابر فيما كان يكابر فيه مسئولون كثيرون في مصر سابقًا.

ثانيا: الرئيس يقيل الحكومة أثناء إجراء الانتخابات البرلمانية التي بدأت أولى مراحلها بداية سبتمبر 2015، ومن المتوقع لها أن تنتهي بنهاية نوفمبر 2015، وعلى الرغم من أن الحكومة ستستقيل بنص الدستور عقب انتخاب البرلمان، فإن الرئيس لم ينتظر هذه الفترة الوجيزة واتخذ قراره بإقالة الحكومة فورا، وهو ما يعد رسالة قوية مفادها أن الانتخابات ليست مبررًا للصبر على مسئول متورط –أو مشتبه في تورطه– في قضايا فساد.

ثالثا: وهي النقطة الأهم، أن الرئيس بقراره هذا يرسل رسالة واضحة تؤكد حرصه على نزاهة الانتخابات البرلمانية القادمة، فالرجل لم يترك حكومة مشكوكًا في نزاهة بعض وزرائها، تدير العملية الانتخابية في السنوات الأخيرة، وهي نقطة بكل تأكيد تحسب للرئيس، وفي نفس الوقت تطمئن قطاعًا واسعًا من المعنيين والمنخرطين في الشأن الانتخابي “أحزاب ومرشحين ومنظمات محلية ودولية”.

إن الفساد لا يقل خطورة بحال من الأحوال عن الإرهاب، فكلاهما يقوض جهود التنمية، ويضع حقوق الإنسان على المحك، ويسطو على حق المجتمع وحقوق أفراده، لذا فإن قوة الدولة في محاربة الفساد -والتي تجلت في الإجراءات الأخيرة للرئيس وللأجهزة الرقابية- هي الوجه الآخر الذي يتكامل مع قوتها في محاربة الإرهاب المستمرة منذ ما يزيد على عامين، وكما أن القوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني والإعلام يدركون أهمية الاصطفاف لمواجهة الإرهاب، عليهم أن يدركوا أيضًا أهمية الاصطفاف لمواجهة الفساد ومساعدة الرئيس على اقتلاع جذوره.